رسـائـل وأخبار

 

قراءة عاشقة لنصوص "أنطولوجيا الحب، مختارات من القصة المغربية الجديدة"

-الجزء الأول-

بقلم محمد سعيد الريحاني


تمهيد:

"الحاءات الثلاث" مشروع إبداعي وتنظيري يهدف إلى التعريف بالقصة القصيرة المغربية عبر ترجمتها للغة الإنجليزية ثم نشرها ورقيا باللغتين العربية والإنجليزية، كما يتقصد التأسيس لمدرسة مغربية قادمة للقصة القصيرة من خلال المشترك المضاميني والجمالي المجمع بين النصوص الخميسين للكاتبات والكتاب الخمسين المشاركين في المشروع الأنطولوجي والموزعين على ثلاثة أجزاء:"أنطولوجيا الحلم المغربي" و"أنطولوجيا الحب" و"أنطولوجيا الحرية ".

ومواكبة لنصوص الكتاب المحتفل بهم، أسسنا وواظبنا على تقليد أدبي بدأ مع الجزء الأول "أنطولوجيا الحلم المغربي" ودلك بإعداد قراءة " عاشقة" للنصوص المشاركة توضح المنظور الذي على ضوئه ستترجم النصوص كما تعمل على تقريب النص للقارئ من خلال تسليط الضوء على المشترك الجمالي والمضامين الذي يجعل من شتات النصوص نصا واحدا يقدم النموذج القصصي لكتاب الغد.

ولأن هدف المشروع الأنطولوجي الحالي هو التأسيس لقصة قصيرة مغايرة، فقد كان من باب الانسجام مع الخطاب أن تكون القراءة الموازية له قراءة "عاشقة" وليس قراءة "نقدية" نظرا لارتباط الأولى، القراءة "العاشقة"، بالانتماء للنص بينما تلتزم الثانية، القراءة " النقدية"، المسافة اتجاه النص. ولدلك تبقى القراءة "العاشقة" رفيقة مراحل التأسيس عبر كل عصور التاريخ التنظيري والإبداعي بينما تاتي القراءة "النقدية" بعد توفر التراكم وتنامي الإرث ودلك لتشذيب الخطاب وتقوية خط الإنتاج الإبداعي وعقلنته.

I – نص "الوشم" لنهاد بنعكيدة:

يقترن "النقش" بالحفر على الحجر والخشب والمعادن لتخليد معارف وإنجازات أو إبداعات »للأجيال القادمة تحديا للموت« بينما يقترن "الوشم" بالحفر ذاته لكن على جلد الإنسان الواشم لتخليد ذكرى من الذكريات الحميمية أو مرحلة من مراحل الحياة الفردية » لمقاومة النسيان.«

في نص " الوشم" للقاصة نهاد بن عكيدة، ليس ثمة داع للخوف من الموت وللرغبة في " نقش" المعارف لأجيال المستقبل. فالهاجس المحوري في النص هو " مقاومة النسيان" و "استنفار الذاكرة" للانتقام ممن تسول له نفسه التلاعب بالحب والاستهتار بكرامة الحبيب.

النص يرسم تقابلات بين الحب السطحي العابر(المختزل في العلامات بقلم الحبر على الكف) والحب العميق الخالد كما يعبر عنه الوشم بحرقته وألمه على الجسد.

الحبيب، في النص، يخط بقلم الحبر " علامة" على كفه ليتذكر حبيبته، بينما هي "تشم" حبها له حفرا على جسدها:

» أن أكون مجرد علامة على يده يرسمها كل صباح بقلمه الأسود قبل أن يغادر بيته، تجعلني أعيد حساباتي معه. أما أنا فجعلته وشما أحمرا بلون دمي، وبنفسجيا بلون فرحي الصغير، وأسمرا بلون قمحي وجلدي، وشما وشمتك في قلبي لو انمحى انمحيت من وجودي ولو تغير لونه أكون قد أصبت بتسمم في شراييني وصمامات قلبي وأدخل حينها في عداد المفقودين«

ثم جازمة في ختام النص:

» حسنا، خذني علامة على يدك. فذلك أفضل بكثير من أن تنساني جسدا وروحا على رفوفك. ملفات الكبرياء والكرامة والأخذ والرد لم أعد أتدارسها معك لأن الأمر بيننا تعدى كل تلك المبادئ والمواقف المتشددة. اخترت أن أكون متسامحة متساهلة في كل حقوقي معك وأن أخذ الأمور بكل بساطة كما تفعل دائما. ليس لأجلك ، بل رفقا بي ... ولا تعتقد أني وإن قبلت أن أكون بكل أنوثثي وشعري الفاحم ومشاعري الحمراء البركانية علامة على يدك في صورة نجيمة دالة على هزيمتك لي، فأنا مازلت لم أعلن بعد حربي عليك. ويوم توصلني إلى ذلك القرار ستجد يدي وجسدي موشومين بعلامات كثيرة من فئة تلك النجيمات «.

II – نص "حبيبة الشات" لعبد الحميد الغرباوي:

النص يفجر هشاشة الثنائيات الميتافيزيقية في حياة الفرد وأسلوب تفكيره ليخلص إلى "الوحدة" في الكون لينجلي القناع عن الزوجين الفاشلين فيظهرا كما لم يكتشفا ذلك بنفسيهما في أي وقت مضى: عاشقين كبيرين.

» تلك هي حبيبته...

اقترب منها، و بصوت مرتعش:

" سلوى"...

و ما كانت لتستجيب للنداء، لو لم تتذكر أن سلوى اسمها الجديد..

استدارت...

و لما .. .

لم يكن سوى...

ذاك الذي هجرها و تنتظر منه، في أية لحظة، إعلان الطلاق...«

اختار السارد كفضاء للسرد "العالم الافتراضي"، الإنترنيت، أو عالم الحرية والتواصل والممكن وهو الثالوث الغائب في حياتهما. فعلى طرفي هذا العالم يقفان أحرارا يمكنهما اختيار ما شاءا لتقديم نفسيهما بدء من الإسم والصفة والهواية إلى الأحلام والمكاشفة والاعتراف بالحب.

يميز النص بين مفهومين يفترض فيهما التكامل وهما مفهوم "الحبيبة" كما في عنوان النص ومفهوم "الزوجة" في آخر جملة من النص. إنه تمييز بين الممكن (=الحب) والكائن (= الزواج).

فالحب الذي تبحث عنه النساء هو في أعماق قلوب أزواجهم، والمرأة التي يتمناها كل زوج هي في أعماق قلب زوجته. والمطلوب هو الغوص العميق في أعماق قلب شريك الحياة للظفر به وبقلبه. فالربيع قد يكون هنا أكثر اخضرارا من الضفة الأخرى.

III – نص "كيوبيد والشيطان" لمحمد فري:

هذا النص هو أحد أقصر النصوص المشاركة في الأنطولوجيا، " أنطولوجيا الحب" لكنه استطاع بمهارة التركيز والتكثيف الإمساك بأهم قوى الحياة والفعل في الوجود برمته: الخير والشر.

ولأن هاتين القوتين متضاربتان ومتصادمتان فقد صار النص ذاته ساحة معركة بالسهام بين كيوبيد ملاك الحب والشيطان سيد الفتن:

» - " أنت أيها الطفل الغرير..خسئت إن ظننت أن سهامك تفتح القلوب إلى المحبة..."

لم يعره "كيوبيد" اهتماما..اغتاظ الشيطان من لامبالاة الملاك... وسدد رمحه نحوه يريد به " شرا".

ارتفع الملاك قليلا إلى الأعلى فمر الرمح من أسفل دون أن يمسه... وبهدوء أمسك بقوسه وزرع فيها سهما سدده نحو صدر الشيطان...«

ولأن الإبداع لا يكون إبداعا إلا بانتصاره للقيم الإنسانية العليا، ينتصر النص للخير وللحب ولكيوبيد على الشر والفتن:

» ارتفع الملاك قليلا إلى الأعلى فمر الرمح من أسفل دون أن يمسه... وبهدوء أمسك بقوسه وزرع فيها سهما سدده نحو صدر الشيطان... قهقه هذا الأخير وهو يبصر السهم متوجها إليه... تلقاه بصدره هازئا واثقا من خلوده... مثل اللمحة اخترق السهم صدره وأصاب قلبه... فجأة شعر الشيطان بخفقان لم يعهده من قبل..وأحس أن ذخيرة الشر تتناقص بداخله..وبحركة لاواعية تحسس قرنيه فلم يجد لهما أثرا... ثم التقت خلفه فشعر بجناحين أبيضين ينبتان بظهره.«

IV – نص "هي والسكين" لسعيدة فرحات:

نص "هي والسكين" يدور حول حياة زوجين خمد ما كان يجمعهما، " الحب"، فصارت حياتهما حياتين وعالمهما عالمين والنتيجة المنطقية أن النص ذاته شطر إلى شطرين: الشطر الأول بطلته الزوجة قبل أن تنام والشطر الثاني بطله الزوج بعدما استيقظ من النوم بينما تبقى الخاتمة متوقعة ومكرسة للانكسار:

» وبذلك بدأ يوم جديد ليجري كل واحد منهما في طريقه الخاص وعينه صوب أفقه المغاير. «

ففي الوقت الذي تفكر هي فيه يفضل هو النوم والغياب:

»ها هي ككل ليلة تستغل فرصة نومه لتمعن النظر في وجهه، و تخاطب غيابه داخلها.«

وفي الوقت الذي تنام هي فيه، يحلو له التفكير والاعتراف:

» نامت و الأسئلة حبال مشانق تلتف على عنقها وتصرخ في نومها و الجثة الهامدة قربها لا تحس بشيء.

استيقظ من نومه ليجد نصفه قربه و يمد يده ليوقظها لكن يده لا تصل«.

ولأن الانقسام هو بطل النص بلا منازع، فقد كان لا بد له من اسم: "السكين".

V – نص "أحلام طاميزودا" لإدريس الصغير:

أجمل ما في البداية، أي بداية، هو ذاك الحلم الجميل بالغد الجميل الذي تبشر به وتصنع مساره. وفي المقابل، أهم ما في النهاية، أي نهاية، هو تلك اليقظة المفاجئة من غفوة طويلة أو نسيان ثقيل، يقظة تحرك مجاري الذاكرة وتصالح الفرد مع ذاته وذاكرته وحقيقته. ولعل موت الأحبة هو أقصى أشكال "اليقظة المفاجئة" ونص "أحلام طاميزودا" يرسم بفنية عالية هذه اليقظة.

يبدأ النص كأغلب النصوص القصصية بالسرد بضمير الغائب المتجرد الموضوعي العارف بدواخل وأسرار الشخوص الأصم اتجاه المعاناة الفردية... لكن ما أن تحمل الحبيبة على المحمل وتأخذ وجهتها نحو المقبرة حتى يلقي السارد على الأرض بكل الأقنعة والأدوار السردية ويتحرر من كل تجرده وموضوعيته ليعلن "بضمير المتكلم" أنه هو الحبيب وأن الراحلة هي الحبيبة وأن النص هو ذكرى قصة حب كانت لاهبة:

» كانت اللقاءات هنالك، في خلوة عن العالم، عن كل العالم. بعيدا عن الحروب، وعن الدمار وعن الدسائس وعن كل المخلوقات. ترى لماذا اخترنا بالضبط ذلك المكان؟ الم يكن الرومان يشقون عباب نهر سبو بسفنهم المحملة بالمؤونة ليرسوا بها في طاميزودا؟ الم يحبوا هنا؟ ألم يحترقوا بلظى الأشواق، و طول النأي، و المعاناة المؤلمة لهذا الحب الأزلي؟

أين أنت اﻵن ؟ اﻵن أرى جسدك مسجى على المحمل ، مغسولا ، بعطر الجنان . أراك محمولة فوق الأكتاف ، ليشق مسمعي ، العويل ، و الصرخات الرعناء . اليوم لا أملك سوى الذكرى ، اليوم أعود عند الغروب منكسرا ، أيمم نحو مدينة كئيبة تغفو مجهدة، لتنكمش على أحزانها الدائمة. «

22/06/2007

محمد سعيد الريحاني

المشرف على

"انطولوجيا الحب: مختارات من القصة المغربية الجديدة"