|
عودة إلى: آراء أهل المدينة الفاضلة
الباب السابع والأول هو الذي عنه
وجد. ومتى وجد للأول الوجود الذي هو له، لزم ضرورة أن يوجد عنه سائر
الموجودات التي وجودها لا بإرادة الإنسان واختياره، على ما هي عليه من
الوجود الذي بعضه مشاهد بالحس وبعضه معلوم بالبرهان. ووجود ما يوجد عنه
إنما هو على جهة فيض وجوده لوجود شيء آخر، وعلى أن وجود غيره فائض عن وجوده
هو. فعلى هذه الجهة لا يكون وجود ما يوجد عنه سببا له يوجه من الوجوه، ولا
على أنه غاية لوجود الأول، كما يكون وجود الابن- من جهة ما هو ابن- غاية
لوجود الأبوين، من جهة ما هما أبوان. يعني أن الوجود الذي يوجد عنه لا
يفيده كمالا ما، كما يكون لنا ذلك عن جل الأشياء التي تكون منا، مثل أنا
بإعطائنا المال لغيرنا نستفيد من غيرنا كرامة أو لذة أو غير ذلك من
الخيرات، حتى تكون تلك فاعلة فيه كمالا ما. فالأول ليس وجوده لأجل غيره،
ولا يوجد بغيره، حتى يكون الغرض من وجوده أن يوجد سائر الأشياء، فيكون
لوجوده سبب خارج عنه، فلا يكون أولا، ولا أيضا بإعطائه ما سواه الوجود ينال
كمالا لم يكن له قبل ذلك خارجا عما هو عليه من الكمال، كما ينال من يجود
بماله أو شيء آخر، فيستفيد بما يبذل من ذلك لذة أو كرامة أو رئاسة أو شيئا
غير ذلك من الخيرات؛ فهذه الأشياء كلها محال أن تكون في الأول، لأنه يسقط
أوليته وتقدمه، ويجعل غيره أقدم منه وسببا لوجوده، بل وجوده لأجل ذاته؛
ويلحق جوهره ووجوده ويتبعه أن يوجد عنه غيره. فلذلك وجوده الذي به فاض
الوجود إلى غيره هو في جوهره، ووجوده الذي به تجوهره في ذاته، هو بعينه
وجوده الذي به يحصل وجوده غيره عنه. وليس ينقسم إلى شيئين، يكون بأحدهما
تجوهر ذاته وبالآخر حصول شيء آخر عنه، كما أن لنا شيئين نتجوهر بأحدهما،
وهو النطق، ونكتب بالآخر، وهو صناعة الكتابة، بل هو ذات واحدة وجوهر واحد،
به يكون تجوهره وبه بعينه يحصل عنه شيء آخر. |
|
|
[المنتدى] | [الصفحة الرئيسية] |