|
عودة إلى: آراء أهل المدينة الفاضلة الباب الخامس وأنه تعالى عالم وحكيم
وأنه حق وحي وحياة فإن وجوده الذي ينحاز عما سواه من الموجودات لا يمكن أن
يكون غير هو به في ذاته موجود. فلذلك يكون انحيازه عن ما سواه توحده في
ذاته. وإن أحد معاني الوحدة هو الوجود الخاص الذي به ينحاز كل موجود الوجود
الذي يخصه، وهذا المعنى من معاني الواحد يساوق الموجود الأول. فالأول أيضا
بهذا الوجه واحد، وأحق من كل واحد سواه باسم الواحد ومعناه. وكذلك الحال في أنه عالم؛ فإنه ليس يحتاج في أن يعلم إلى ذات أخرى يستفيد بعلمها الفضيلة خارجة عن ذاته؛ ولا في أن يكون معلوما إلى ذات أخرى تعلمه، بل هو مكتف بجوهره في أن يعلم ويعلم. وليس علمه بذاته شيئا سوى جوهره، فإنه يعلم وإنه معلوم وإنه علم. فهو ذات واحدة وجوهر واحد. وكذلك في أنه حق. فإن الحق يساوق الوجود، والح4قيقة قد تساوق الوجود، فإن حقيقة الشيء هي الوجودن الذي يخصه. وأكمل الوجود هو قسطه من الوجود؛ وأيضا فإن الحق قد يقال على المعقول الذي صادف به العقل الموجود حتى يطابقه. وذلك الموجود من جهة ما هو معقول، يقال له إنه حق، ومن جهة ذاته من غير أن يضاف إلى ما يعقله يقال إنه موجود. فالأول يقال إنه حق بالوجهين جميعا، بأن وجوده الذي هو له أكمل الوجودن وبأنه معقول صادف به الذي عقله الموجود على ما هو موجود. وليس يحتاج في أن يكون حقا بما هو معقول إلى ذات أخرى خارجو عنه تعقله. وأيضا أولى بما يقال عليه حق بالوجهين جميعا. وحقيقته ليست هي شيئا سوى أنه حق. وكذلك في أنه حي، وأنه حياة. فليس يدل بهذين على ذاتين، بل على ذات واحدة. فإن معنى الحي أنه يعقل أفضل معقول بأفضل عقل، أو يعلم أفضل معلوم بأفضل علم. كما أن إنما يقال لنا أحياء أولا، إذا كنا ندرك أحسن المدركات بأحسن إدراك. فإنّا إنما يقال لنا أحياء إذا كنا ندرك المحسوسات، وهي أحسن المعلومات، بالإحساس الذي هو أفضل عقل إذا عقل وعلم أفضل المعقولات بأفضل علم، فهو أحرى أن يكون حيا، لأنه يعقل من جهة ما هو عقل، وأنه عاقل وأنه عقل، وأنه عالم وإنه علم، هو فيه معنى واحد. وكذلك أنه حي، وأنه حياة، معنى واحد. وأيضا فإن اسم الحي قد
يستعار لغير ما هو حيوان، فيقال على كل موجود كان على كمال الأخير، وعلى كل
ما بلغ من الوجود والكمال إلى حيث يصدر عنه ما من شأنه أن يكون منه، كما من
شأنه أن يكون منه. فعلى هذا الوجه إذا كان الأول وجوده أكمل وجود، كان أيضا
أحق باسم الحي من الذي يقال على الشيء باستعارة. كذلك قياس السبب الأول والعقل الأول والحق الأول، وعقولنا نحن. ليس نقص معقوله عندنا لنقصانه في نفسه، ولا عسر إدراكنا له لعسرة في وجوده، لكن لضعف قوى عقولنا نحن عسر تصوره. فتكون المعقولات التي
هي في أنفسنا ناقصة، وتصورنا لها ضعيف. وهذا على ضربين: ضرب ممتنع من جهة
ذاته أن يتصور فيعقل تصورا تاما لضعف وجوده ونقصان ذاته وجوهره، وضرب مبذول
من جهة فهمه وتصوره على التمام وعلى أكمل ما يكون. ويجب إذا كنا نحن ملتبسين بالمادة، كانت هي السبب في أن صارت جواهرنا جوهرا يبعد عن الجوهر الأول، إذ كلما قربت جواهرنا منه، كان تصورنا له أتم وأيقن وأصدق. وذلك أنا كلما كنا أقرب إلى مفارقة المادة كان تصورنا له أتم، وإنما نصير أقرب إليه بأن نصير عقلا بالفعل. وإذا فارقنا المادة على التمام يصير المعقول منه في أذهاننا أكمل ما يكون. |
|
|
[المنتدى] | [الصفحة الرئيسية] |