|
عودة إلى: آراء أهل المدينة الفاضلة الباب التاسع والعشرون والمدينة الفاضلة
تضادها المدينة الجاهلة، والمدينة الفاسقة، والمدينة المتبدلة، والمدينة
الضالة. ويضادها أيضا من أفراد الناس نوائب المدن. والمدينة الجاهلة هي التي لم يعرف أهلها السعادة ولا خطرت ببالهم. إن ارشدوا إليها فلم يفهموها ولم يعتقدوها، وإنما عرفوا من الخيرات بعض هذه التي هي مظنونة في الظاهر أنها خيرات من التي تظن أنها هي الغايات في الحياة، وهي سلامة الأبدان واليسار والتمتع باللذات، وأن يكون مخلى هواه، وأن يكون مكرما ومعظما. فكل واحد من هذه سعادة عند أه الجاهلة. والسعادة العظمى الكاملة هي اجتماع هذه كلها. وأضدادها هي الشقاء، وهي آفات الأبدان والفقر وأن لا يتمتع باللذات، وأن لا يكون مخلى هواه وأن لا يكون مكرما. وهي تنقسم إلى جماعة مدن، منها: I- المدينة الضرورية، وهي التي قصد أهلها الإقتصار على الضروري مما به قوام الأبدان من المأكول والمشروب والملبوس والمسكون والمنكوح، والتعاون على استفادتها. II- والمدينة البدالة
هي التي قصد أهلها أن يتعاونوا على بلوغ اليسار والثروة، ولا ينتفعوا
باليسار في شيء آخر، لكن على أن اليسار هو الغاية في الحياة. وملوك هذه المدن مضادة لملوك المدن الفاضلة، ورياستهم مضادة للرياسات الفاضلة، وكذلك سائر من فيها. وملوك المدن الفاضلة الذين يتوالون في الأزمنة المختلفة واحدا بعد آخر فكلهم كنفس واحدة، وكأنهم ملك واحد يبقى الزمان كله. وكذلك إن اتفق منهم جماعة في وقت واحد، إما في مدينة واحدة، وإما في مدن كثيرة، فإن جماعتهم كملك واحد، ونفوسهم كنفس واحدة، وكذلك أهل كل رتبة منها، متى توالوا في الأزمان المختلفة، فكلهم كنفس واحدة تبقى الزمان كله. وكذلك إن كان في وقت واحد جماعة من أهل رتبة واحدة، وكانوا في مدينة واحدة أو مدن كثيرة، فإن نفوسهم كنفس واحدة، كانت تلك الرتبة رتبة رياسة أو رتبة خدمة. وأهل المدينة الفاضلة لهم أشياء مشتركة يعلمونها ويفعولنها، وأشياء أخر من علم وعلم يخص كل رتبة وكل واحد منهم. إنما يصير "كل واحد" في حدّ السعادة بهذين، أعني بالمشترك الذي له ولغيره معا، وبالذي يخص أهل المرتبة التي هو منها. فإذا فعل ذلك كل واحد منهم، أكسبته أفعاله تلك هيئة نفسانية جيدة فاضلة؛ وكلما دوام عليها أكثر، صارت هيئته تلك أقوى وأفضل، وتزايدت قوتها وفضيلتها. كما أن المداومة على الأفعال الجيدة من أفعال الكتابة تكسب الإنسان جودة صناعة الكتابة، وكلما داوم على تلك الأفعال أكثر صارت الصناعة التي بها تكون تلك الأفعال أقوى وأفضل، وتزيد قوتها وفضيلتها بتكرير أفعالها، ويكون الإلتذاذ التابع لتلك الهيئة النفسانية أكثر، وإغتباط الإنسان عليها نفسه أكثر، ومحبته لها أزيد. وتلك حال الأفعال التي ينال بها السعادة: فإنها كلما زيدت منها وتكررت وواظب الإنسان عليها، صيرت النفس التي شأنها أن تسعد أقوى وأفضل وأكمل إلى أن تصير من حد الكمال إلى أن تستغني عن المادة، فتحصل متبرئة منها، فلا تتلف بتلف المادة، ولا إذا بقيت احتاجت إلى مادة. فإذا حصلت مفارقة للمادة، غير متجسمة ارتفعت عنها الأعراض التي تعرض للأجسام من جهة ما هي أجسام، فلا يمكن فيها أن يقال إنها تتحرك ولا إنها تسكن. وينبغي حينئذ أن يقال عليها الأقاويل التي تليق بما ليس بجسم. وكلما وقع في نفس الإنسان من شيئ يوصف به الجسم بما هو جسم، فينبغي أن يسلب عن الأنفس المفارقة. وأن يفهم حالها هذه وتصورها عسير غير معتاد. وكذلك يرتفع عنها كل ما كان يلحقها ويعرض لها بمقارنتها للأجسام. ولما كانت هذه الأنفس التي فارقت أنفسا كانت في هيوليات مختلفة، وكان تبين أن الهيئات النفسانية تتبع مزاجات الأبدان، بعضها أكثر وبعضها أقل، وتكون كل هيئة نفسانية على نحو ما يوجبه مزاج البدن الذي كانت فيه، فهيئتها لزم فيها ضرورة أن تكون متغايرة لأجل التغير الذي فيها كان. ولما كان تغاير الأبدان إلى غير نهاية محدودة، كانت تغايرات الأنفس أيضا إلى غير نهاية محدودة. |
|
|
[المنتدى] | [الصفحة الرئيسية] |