تعرف علينا  |  دليل الموقع  |  رسـائـل وأخبار   |  معرض الصور  | عرفونا بكم  |  اتصل بنا 



عودة إلى: آراء أهل المدينة الفاضلة

الباب الأول
القول في الموجود الأول

الموجود الأول هو السبب الأول لوجود سائر الموجودات كلها، وهو بريء من جميع أنحاء النقص. وكل ما سواه فليس يخلو من أن يكون فيه شيء من أنحاء النقص، إما واحدا وإما أكثر من واحد.

وأما الأول فهو خلو من أنحائها كلها، فوجوده أفضل الوجود، وأقدم الوجود، ولا يمكن أن يكون وجود أفضل ولا أقدم من وجوده، وهو من فضيلة الوجود في أعلى أنحائه، ومن كمال الوجود في أرفع المراتب. ولذلك لا يمكن أن يشوب وجوده وجوهره عدم أصلا.

والعدم والضد لا يكونان إلا فيما دون فلك القمر. والعدم هو لا وجود ما شأنه أن يوجد ولا يمكن أن يكون له وجود بالقوة، ولا على نحو من الأنحاء، ولا إمكان أن لا يوجدن ولا بوجه ما من الوجوه. فلهذا هو أزلي، دائم الوجود بجوهره وذاته، من غير أن يكون به حاجة في أن يكون أزليا إلى شيء آخر يمد بقاءه، بل هو بجوهره كاف في بقائه ودوام وجوده.

ولا يمكن أن يكون وجود أصلا مثل وجوده، ولا أيضا في مثل مرتبة وجوده وجودن يمكن أن يكون له أو يتوافر عليه.

وهو الموجود الذي لا يمكن أن يكون له سبب به، أو عنه، أو له كان وجوده. فإنه ليس بمادة، ولا قوامه في مادة ولا في موضوع أصلا. بل وجوده خلو من كل مادة ومن كل موضوع، ولا أيضا له صورة، لأن الصورة لا يمكن أن تكون إلا في مادة، ولو كانت له صورة لكانت ذاته مؤتلفة من مادة وصورة، ولو كان كذلك لكان قوامه بجزئيه اللذين منهما ائتلف، ولكان لوجوده سبب، فإن كل واحد من أجزائه سبب لوجود جملته، وقد وضعنا أنه سبب أول.

ولا أيضا لوجوده غرض وغاية حتى يكون، إنما وجوده ليتم تلك الغاية وذلك الغرض، وإلا لكان يكون ذلك سببا ما لوجوده، فلا يكون سببا أولا.

ولا أيضا استفاد وجوده من شيء آخر أقدم منه، وهو من أن يكون استفاد ذلك مما هو دونه أبعد.

الموجودات الطبيعية. فما في الطبع هو العدل. فالعدل إذا التغالب. والعدل هو أن يقهر ما اتفق منها. والمقهور إما أن يقهر على سلامة بدنه، أو هلك وتلف، وانفرد القاهر بالوجود؛ أو قهر على كرامته وبقي ذليلا ومستعبدا، تستعبده الطائفة القاهرة ويفعل ما هو الأنفع للقاهر في أن ينال به الخير الذي عليه غالب ويستديم به. فاستعباد القاهر للمقهور هو أيضا من العدل. وأن يفعل المقهور ما هو الأنفع للقاهر هو أيضا عدل. فهذه كلها هو العدل الطبيعي، وهي الفضيلة. وهذه الأفعال هي الأفعال الفاضلة فإذا حصلت الخيرات للطائفة القاهرة فينبغي أن يعطى من هو أعظم غناءا في الغلبة على تلك الخيرات من تلك الخيرات أكثر، والأقل غناء فيها أقل. وإن كانت الخيرات التي غلبوا عليها كرامة، أعطي الأعظم غناءً فيه كرامة أكبر، وإن كانت أموالا أعطي أكثر. وكذلك في سائرها. فهذا هو أيضا عدل عندهم طبيعي.

قالوا: وأما سائر ما يسمى عدلا، مثل ما في البيع والشراء، ومثل رد الودائع، ومثل أن لا يغضب ولا يجور، وأشباه ذلكن فإن مستعمله إنما يستعمله أولا لأجل الخوف والضعف وعند الضرورة الواردة من خارج.

وذلك أن يكون كل واحد منهما كأنهما نفسان أو طائفتان مساوية "إحداهما" في قوتها للأخرى، وكانا يتداولان القهر. فيطول ذلك بينهما؛ فيذوق كل واحد الأمرين، ويصير إلى حال لا يحتملها، فحينئذ يجتمعان ويتناصفان، ويترك كل واحد منهما للآخر مما كانا يتغالبان عليه قسطا ما؛ فتبقى سماته، ويشرط كل واحد منهما على صاحبه أن لا يروم نزع ما في يديه إلا بشرائط، فيصطلحان عليها. فيحدث من ذلك الشرائط الموضوعة في البيع والشراء، ويقارب الكرامات ثم المواساة وغير ذلك مما جانسها. وإنما يكون ذلك عند ضعف كل من كل، وعند خوف كل من كل. فما دام كل واحد من كل واحد في هذه الحال فينبغي أن يتشاركا. ومتى قوي أحدهما على الآخر فينبغي أن ينقض الشريطة ويروم القهر.

أو يكون الأثنان ورد عليهما من خارج شيء على أنه لا سبيل إلى دفعه إلا بالمشاركة وترك التغالب، فيتشاركان ريث ذلك؛ أو يكون لكل واحد منهما همة في شيء يريد أن يغلب عليه، فيرى أنه لا يصل غليه إلا بمعاونة الآخر له وبمشاركة له. فيتركان التغالب بينهما ريث ذلك، ثم يتعاندان. فإذا وقع التكافؤ من الفرق بهذه الأسباب وتمادى الزمان على ذلك، ونشأ على ذلك من لم يدر كيف كان أول ذلك، حسب أن العدل هو هذا الموجود الآن، ولا يدري أنه خوف وضعف. فيكون مغرورا بما يستعمل من ذاك. فالذي يستعمل هذه الأشياء، إما ضعيف أو خائف أن يناله من غيره مثل الذي يجد في نفسه من الشوق إلى فعله، وإما مغرور.


[الفيس بوك]

[المنتدى] [الصفحة الرئيسية]