|
عودة إلى: مدن/ مدن أثرية وآثار
القاهـرة حتى عهد الملك الصالح نجم الدين الأيوبي كان هناك ساحل على الخليج استعمله السقاءون، وكان يسمى باب الخرق الذي حرّف إلى باب الخلق. والخرق هي الأرض التي تخترقها الرياح. وكان الموسكي في ذلك العهد قنطرة على الخليج أنشأها الأمير عز الدين موسك في عام 584هـ/ 1189 م. في عهد السلطان صلاح الدين. كما قام حي السيدة زينب حول جسر شيده الظاهر بيبرس على الخليج وعرف بقناطر السباع، نسبة إلى رنك بيبرس الذي كان يمثل سبعا. أما حي الحسينية فقد أنشأته جماعة من الأشراف قدموا من الحجاز وبنوا المدابغ وصنعوا الأديم المسمى الطائفي نسبة إلى الطائف بالحجاز. كانت القاهرة دائبة النشاط في التوسع
والبناء في عهد الفاطميين والمماليك. وقد اجتهد صلاح الدين كثيرا في
تعميرها وبنى قلعة الجبل وسور القاهرة الممتد إلى أثر النبي. كما أنشأ
البيمارستان الناصري أو الصلاحي نسبة إليه. أما الملك الظاهر بيبرس فقد
عمّر الجامع الكبير خارج الحسينية وكان فيه مساحة يلعب فيها المماليك
لعبة القبق. وجدد الملك الظاهر جامع الأزهر وأعاد فيه الخطبة وأنشأ
ضيعة على فم وادي العباسية سماها الظاهرية. تعد قلعة الجبل أول امتداد كبير خارج السور الفاطمي. فقد بدأ صلاح الدين في بنائها عام 572هـ / 1176 م، ولم يكن هدفه تقوية المدينة ولكن ليتخذه مكانا يلتجأ إليه. وكانت قلعة الجبل تتزود بمياه النيل عن طريق قناطر ترجع في حالتها الراهنة إلى زمن سلطنة الناصر محمد بن قلاوون الذي قام في عام 712هـ / 1312 م ببناء أربع سواق على النيل بغرض رفع المياه إلى مستوى القناطر التي تمد القلعة بالمياه. وفي عام 741هـ / 1341 م أدمج فيها بقايا سور صلاح الدين الذي صمم ليضم "خرائب" الفسطاط. وقد تم ترميم وتمديد هذه القناطر مرات متكررة في القرن التاسع الهجري / الخامس عشر الميلادي، وعلى الأخص في فترة سلطنة قايتباي وقانصوه الغوري، التي ترجع إليها على الأرجح خزان توزيع المياه المعروف بـ "السبع سواقي" الموجود على النيل. هناك قلعة أخرى ضاعت كل معالمها اليوم. كانت قد هدمت ثم أعيد بناؤها أكثر من مرة خلال عصر المماليك وهي المعروفة بقلعة الروضة التي شيدها الملك الصالح نجم الدين أيوب.
انتشر بالقاهرة عدد كبير من الحدائق لكن معظمها لا وجود له اليوم بسبب التزايد العمراني الكبير. فمن حدائق القاهرة الشهيرة حديقة قصر محمد علي باشا الكبير بشبرا الخيمة التي أنشئت على النمط التركي وكانت تضم أندر النباتات في العالم. وكذلك حديقة الفردوس بالجزيرة. وهناك حديقة الأزبكية التي لم تحظ حديقة في مصر كلها بالاهتمام الذي حظيت به، وقد اقتطع جزء كبير منها وأقيم فيه ميدان الأوبرا المعروف بميدان إبراهيم باشا. وظلت حديقة الأزبكية تتباهى بجمالها منذ إعادة تجميلها عام 1295هـ / 1878 م حتى تعرضت لضياع أكثر من ثلثي مساحتها بسبب المشروعات التعميرية. وعلى مسطحات الحديقة الخضراء أقيمت مباني سنترال الأوبرا ومسرح الأزبكية ومسرح العرائس ومبنى نادى السلاح ومبنى شرطة النجدة. من الحدائق الشهيرة أيضا حدائق الأورمان بالجيزة التي أنشئت في عام 1875 م. وكانت تتبع قصر الجيزة وتسلمتها وزارة الزراعة عام 1917 م. وكانت تعرف بحديقة الأمير حسين كمال وتحيط بقصره. وتوجد فيها مجموعة نادرة وقيّمة من أشجار الفيكس والبامبو ومجموعات من النباتات المائية والصبار. وتضم الحديقة بحيرة صناعية جميلة تربط شاطئيها قنطرة بديعية صنعت من جذوع وسيقان الأشجار. انتشرت أيضا بالقاهرة البيمارستانات. فقد كانت عمليات الاستشفاء من الأمور التي شغلت بال حكام المماليك على فترة حكمهم التاريخية. ومن أجل ذلك حرصوا على إنشاء البيمارستانات وتزويدها بكل الأدوات والأدوية التي تتطلبها. ويعد بيمارستان قلاوون أحد البيمارستانات القليلة التي ما زالت آثارها قائمة. ويعود السبب في إنشاء هذا البيمارستان إلى نذر من الأمير قلاوون، أحد أمراء نور الدين زنكي، وكان قد أصابه مرض وهو في دمشق عام 1276م. فوجد بعض الأدوية في بيمارستان نور الدين الدمشقي، وبعد أن شفي نذر أن يقيم مثله في القاهرة. ولما تولى البلاد أوفى بوعده فأقام هذا البيمارستان الذي عرف باسمه واختار له موقعا قريبا من موقع القصر الغربي الفاطمي. وقد ظل هذا البيمارستان مستخدما حتى عام 1856 م حيث اقتصر استخدامه على مرضى العقول. اشتهرت القاهرة على مر العصور بالعديد
من المساجد. فهي أول مدينة دخلها الإسلام في إفريقيا. وكان الاهتمام
المتزايد بإنشاء المساجد فيها لدرجة أنه أطلق عليها مدينة الألف مئذنة.
وقد خلّف الملوك والأمراء الذين تعاقبوا على حكم مصر العديد من المساجد
التي ما يزال الكثير منها موجودا حتى الآن. من المساجد الأثرية المهمة الباقية
أيضا
جامع أحمد بن طولون وهو من أكبر مساجد العالم الإسلامي التي شيدت
في منتصف القرن الثالث للهجرة / التاسع الميلادي، إذ تبلغ مساحته مع
الزيادة، أي الفضاء الذي يحيط به من جميع جهاته عدا جهة القبلة، ستة
أفدنة ونصف الفدان. وهو مشيّد فوق الربوة الصخرية المعروفة بجبل يشكر
في الطرف الجنوبي لمدينة القطائع. وهو من الجوامع المعلقة، إذ يُصعد
إلى أبوابه بدرجات دائرية الشكل. تتمتع القاهرة بالعديد من الحمامات. ويذكر أن أول من بنى الحمامات في القاهرة العزيز بالله نزار بن معز الدين. ومن أشهر حمامات القاهرة القديمة حمام الملاطيلي وأقيم بشارع مرجوش بالقرب من جامع الغمري، وحمام المقاصيص الذي يقع بأول عطفة المقاصيص. وقد صار هذا الحمام حماما لدار الوزير المأمون بن البطائحي. وكذلك حمام قلاوون الذي يقع في شارع النحاسين، ويعرف أيضا بحمام المارستان المنصوري. ضمت القاهرة منذ إنشائها العديد من
الأسواق، إلا أن أغلبها شيد في نهاية العهد المملوكي. وكانت هذه
الأسواق تثير إعجاب التجار الأجانب بسبب أنشطتها وثرائها. ومن أشهر هذه
الأسواق سوق خان الخليلي وهو على هيئة قصر مهيب متسع للغاية مبني من
الحجر المشذب، ويرتفع ثلاث طبقات، توجد في الأدوار السفلى حوانيت تحيط
بميدان مربع الشكل يقع في الوسط. وفي مواجهتها يوجد صف من العقود
المتكررة المرفوعة على أعمدة رائعة الجمال والمحيطة بها من جميع الجهات.
وفي هذا المكان يعقد التجار صفقاتهم. أما الميدان الذي في الوسط فإنه
يستخدم كإطار لبيع البضائع بالمزاد، ولعقد صفقات البيع والشراء بالجملة.
وليس مسموحا بالإقامة في هذا المكان إلا للتجار ذوي السمعة الطيبة. وفي
أعلى هذا المبنى يقيم علية التجار. ومن الأسواق الشهيرة الأخرى سوق
الفحامين وهو مقر لتجار الفحم البسطاء منذ أمد بعيد، ومع ذلك ظل محتفظا
بهذا الاسم بالرغم من تحويله لمقر لتجار المنسوجات الموسرين. وهناك سوق
باب الفتوح وهو في داخل باب الفتوح وبه حوانيت اللحامين والخضريين
والفاميين. تميزت القاهرة أيضا بوجود العديد من المدارس. ففي عهد الدولة الفاطمية أنشأ الوزير الكردي ابن السلار الذي كان يعمل في خدمة الدولة مدرسة ابن السلار. وقد أنشئت هذه المدرسة عام 1152م وكان يقوم على إدارتها إمام عظيم من أئمة المسلمين وعالم كبير من علماء الحديث، هو الحافظ السِلفي. وفي عام 1171 م أنشأ صلاح الدين مدرستين قامت إحداهما على آثار دار تسمى دار المعونة كان يحبس فيها من يراد حبسه، فهدمها صلاح الدين وبناها مدرسة للشافعية. وقد عرفت هذه المدرسة باسم المدرسة الناصرية نسبة إلى الملك الناصر صلاح الدين. أما المدرسة الثانية، فقد كانت للمالكية، وسميت باسم المدرسة القمحية نسبة إلى القمح الذي كانت تحصل عليه من ضيعة بجهة الفيوم وقفها صلاح الدين على هذه المدرسة التي عرفت كذلك بدار الغزل. وبعد سقوط الحكم الفاطمي زاد صلاح الدين على المدرستين السابقتين ثلاث مدارس أخر: مدرسة للفقهاء الحنفية وهي المدرسة السيوفية ومدرسة بجوار الإمام الشافعي وأخرى بجوار المشهد الحسيني. استمر سلاطين الدولة الأيوبية في بناء المدارس. فكانت هناك المدرسة الكاملية "دار الحديث"، وهي المدرسة التي أنشأها السلطان الملك الكامل محمد الأيوبي. وتعتبر الدار الثانية في الترتيب بين الدور التي تخصصت في الشرق الإسلامي لدراسة الحديث. أما الدار الأولى فهي التي بناها نور الدين زنكي بدمشق. وهناك المدرسة الصالحية التي بناها الملك الصالح نجم الدين أيوب عام 1242 م، وكانت أشبه شيء بجامعة كبرى ذات كليات أربع تختص كل واحدة منها بمذهب من المذاهب الأربعة المعروفة. وكانت هناك المدرسة الفاضلية نسبة إلى القاضي الفاضل، بناها عام 1185 م. ولهذه المدرسة شهرة في التاريخ، ومرجع ذلك إلى المكتبة العظيمة التي ألحقها القاضي الفاضل بها وجمع فيها من كتب العصر الفاطمي وحده مائة ألف مجلد. وكذلك مدرسة الظاهر بيبرس التي أسسها عام 1262 م وزودها بمكتبة هائلة، وجعلها تعني بسائر العلوم، ووقف عليها أوقافا عظيمة. وأسس الظاهر مدرسته هذه على نمط المدارس الأيوبية ولم يكتف بها، بل بنى بجوارها مكتبا لتعليم القراءة والكتابة ليتامى أبناء المسلمين. لعل أهم المراكز العلمية شهرة
بالقاهرة كانت دار الحكمة التي أمر الحاكم بأمر الله الفاطمي بإنشائها
عام 1005م، حيث أراد لها أن تكون أفضل من بيت الحكمة الذي ببغداد. وقد
زود الحاكم هذه الدار بمكتبة عرفت باسم دار العلم وحُملت إليها الكتب
من خزائن القصور ومن مصادر متعددة. فكانت فيها كتب نفيسة ومخطوطات
نادرة في الدين والآداب والعلوم بفروعها المتعددة، كما أمدها الحاكم
بأمر الله بكل مستلزمات النساخين من أقلام ومحابر وورق. وأقيم لها قوام
وخدام وفراشون وغيرهم. وكانت دار الحكمة تزخر دائما بالفقهاء والقراء
والنحاة والفلكيين والأطباء. وظلت دار العلم مفتوحة ينتفع الجمهور بما
فيها من الكتب إلى عام 1123م حيث أمر الوزير الأفضل ابن أمير الجيوش
بدر الجمالي بإغلاقها بسبب ما وصل إليه من أن رجلين يعتنقان عقائد
الطائفة المعروفة بالبديعية التي يدين أشياعها بمذاهب السنة الثلاثة
وهي الشافعي والحنفي والمالكي يترددان على دار العلم، وأن كثيرين من
الناس أصغوا إليهما واعتنقوا هذا المذهب. على أن فترة إغلاق دار العلم
لم يطل أمدها، فقد أعادها الحاكم الآمر بالله إلى ما كانت عليه. كما اشتهر من الأطباء داود الأنطاكي وهو صيدلاني وطبيب ولد في
أنطاكية
بسورية واستقر في القاهرة، وموفق الدين أبو نصر عدنان بن نصر بن منصور
الشهير بابن العين الزربي الطبيب وعالم النجوم والرياضيات والمنطق.
وأبو المنصور عبد الله بن الشيخ السديد وكان عالما بصناعة الطب خبيرا
بأصولها وفروعها.
صنفتها منظمة اليونيسكو مدينة تراثية عالمية عام 1979 |