تعرف علينا  |  دليل الموقع  |  رسـائـل وأخبار   |  معرض الصور  | عرفونا بكم  |  اتصل بنا 


عودة إلى: حكام وسياسيون

المعتصم
180- 227 هـ

الخليفة أبو إسحاق محمد بن الرشيد هارون بن محمد المهدي بن المنصور العباسي. أمه ماردة أم ولد. بويع بعهد من المأمون في رابع عشر رجب سنة ثمان عشرة. وكان أبيص أصهب اللحية طويلها ربع القامة مشرب اللون ذا قوة وبطش وشجاعة وهيبة لكنه نزر العلم.

قيل كان معه غلام في المكتب فمات الغلام فقال له أبوه يا محمد مات غلامك قال نعم يا سيدي واستراح من الكتاب فقال أو إن الكتاب ليبلغ منك هذا دعوه فكانت قراءته صعيفة.

قال خليفة حج بالناس سنة مئتين.

قال الرياشي كتب طاغية الروم إلى المعتصم يتهدده فأمر بجوابه فلما عرض عليه رماه وقال للكاتب اكتب أما بعد فقد قرأت كتابك وسمعت خطابك والجواب ما ترى لا ما تسمع " وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار".

قلت وامتحن الناس بخلق القرآن وكتب بذلك إلى الأمصار وأخذ بذلك المؤذنين وفقهاء المكاتب ودام ذلك حتى أزاله المتوكل بعد أربعة عشر عاماً.

كان في سنة 218 الوباء المفرط والقحط بمصر ومات أكثرهم وأمر المعتصم بهد طوانة التي بذر المأمون في بنائها من عامين بيوت الأموال واشتد البلاء ببابك وهزم الجيوش ودخل في دينه خلائق من العجم وعسكر بهمذان فبرز لقتاله إسحاق المصعبي فكانت ملحمة عظمى فيقال قتل منهم ستون ألفاً وهرب باقيهم إلى الروم.

في سنة عشرين عقد المعتصم للأفشين في جيش لجب لقتال بابك فتمت ملحمة انهزم فيها بابك إلى موغان ومنها إلى مدينة تسمى البذ.

وفي رمضان كانت محنة الإمام أحمد في القرآن وضرب بالسياط حتى زال عقله ولم يجب فأطلقوه وأمر المعتصم بإنشاء مدينة سامرا اشترى أرضها من رهبان بالقاطول وغضب على وزيره الفضل بن مروان وأخذ منه نحوا من عشرة آلاف ألف دينار ونفاه واستوزر محمد بن الزيات واعتنى باقتناء المماليك الترك وبعث إلى النواحي في شرائهم وألبسهم الحرير والذهب وفي سنة 221 كانت وقعة بين العسكر وبابك.

وحج فيها حنبل فقال رأيت كسوة الكعبة وقد كتب فيها في الدارات ليس كمثله شيء وهو اللطيف الخبير فحدثت به أبا عبد الله فقال قاتل الله الخبيث عمد إلى كلام الله فغيره عنى ابن أبي داود.

في سنة اثنتين وعشرين كان المصاف بين بابك الخرمي وبين الأفشين فطحنه الأفشين واستباح عسكره وهرب ثم إنه أسر بعد فصول طويلة وكان أحد الأبطال أخاف الإسلام وأهله وهزم الجيوش عشرين سنة وغلب على أذربيجان وغيرها وأراد أن يقيم الملة المجوسية وظهر في أيامه المازيار أيضاً بالمجوسية بطبرستان وعظم البلاء.

وكان المعتصم والمأمون قد أنفقوا على حرب بابك قناطير مقنطرة من الذهب والفضة ففي هذه السنة بعث المعتصم نفقات إلي جيشه مع الأفشين فكانت ثلاثين ألف ألف درهم وأخذت البذ مدينة بابك اللعين واختفى في غيضة وأسر أهله وأولاده وقطع دابر الخرمية.

ثم ورد أمان من المعتصم لبابك فبعث به الأفشين إليه مع اثنين وكتب ابنه إليه يشير عليه بقبول الأمان فلما دخلا إلى الشعراء التي فيها بابك قتل أحدهما وقال للأخر امض إلى ابن الفاعلة ابني فقل لو كان ابني للحق بي ثم مزق الأمان وفارق الغيضة وصعد الجبل في طرق يعرفها لا تسلك وكان الأفشين قد رتب الكمناء في المضايق فنجا بابك ولجأ إلى جبال أرمينية فلقيه سهل البطريق فقال الطلب وراءك فانزل عندي فنزل وركن إليه فبعث البطريق إلى الأفشين بذلك فجاء فرسان فأحاطوا به وأخذوه وكان المعتصم قد جعل لمن جاء به حيا ألف درهم ولمن جاء برأسه ألف ألف فأعطي البطريق ألف ألف وأطلق له خراجه عشرين سنة. وقال المسعودي هرب بابك بأخيه وأهله وخواصه في زي التجار فنزل بأرض أرمينية بعمل سهل بن سنباط فابتاعوا شاة من راع فنكرهم فأتى سهلا فأعلمه فقال هذا بابك بلا شك فركب في أجناده حتى أتى بابك فترجل وسلم عليه بالملك وقال قم إلي قصرك فأنا عبدك فمضى معه ومد السماط له وأكل معه فقال بابك امثلك يأكل معي فوقف واعتذر ثم أحضر حداداً ليقيده فقال أعذراً يا سهل قال يا ابن الفاعلة إنما أنت راعي بقر ثم قيد اتباعه وكاتب الأفشين فجهز أربعة آلاف فتسلموه وجاء سهل فخلع عليه الأفشين وبعثت بطاقة بذلك إلى بغداد فضج الناس بالتكبير والشكر لله ثم قدموا ببابك في صفر سنة ثلاث.

وكان المعتصم يبعث كل يوم بخلعة وفرس للأفشين ومن سروره بذلك رتب البريد منه إلى الأفشين فكان يجيئه الخبر في أربعة أيام وذلك مسيرة شهر ثم أتي أحمد بن أبي داود متنكراً في الليل فشاهد بابك ثم أعلم المعتصم فما صبر وأتاه متنكراً فتأمله.

وكان هذا الشقي ثنوياً على دين ماني ومزدك يقول بتناسخ الأرواح ويستحل البنت وأمها.

وقيل كان ولد زنى وكانت أمه عوراء يقال لها رومية العلجة وكان علي بن مزدكان يدعي أنه زنى بها وبابك منه. وقيل كانت صعلوكة من قرى أذربيجان فزنى بها نبطي فحملت منه ببابك فربي بابك أجيراً في القرية وكان هناك قوم من الخرمية لهم كبيران جاوندان وعمران فتفرس جاوندان النجابة في بابك فاكتراه من أمه فهويته زوجة جاوندان وأطلعته على الأسرار ثم قتل زوجها في محاربة لابن عمه فزعمت أن زوجها استخلف بابك فصدقها الجميع فأمرهم أن يقتلوا من وجدوه في الليل فأصبح عدة قتلى وأنضاف إليهم كل شرير وقاطع طريق وصار أمر بابك إلى ما صار وكانت دولته عشرين سنة بل أزيد وكان معه نحو من عشرين ألف مقاتل فارغين من الدين وبعضهم زنادقة وقتلوا وسبوا وأخذوا الحصون.

أمر المعتصم فأركب بابك فيلا وألبسه الديباج وقلنسوة كبيرة من سمور وطافوا به ثم قطعت أربعته وهو ساكت ثم ذبح وطيف برأسه بسامراء ثم بعث بأخيه إلى بغداد فعمل به كذلك ويقال كان أشجع من بابك فقال يا بابك قد عملت ما لم يعمله أحد فاصبر صبراً لم يصبره أحد قال سوف ترى فلما قطعوا يده خضب صورته بالدم فقال المعتصم لم فعلت قال إنك أمرت بقطع أطرافي وفي نفسك أن لا تكويها فينزف الدم فيصفر لوني فتظنونه جزعاً مني فقال لولا أن أفعاله لا تسوغ الصنيعة والعفو لاستبقيته ثم أحرق .

وقيل إنه أباد من الأمة خلائق وبخط الإمام ابن الصلاح أن قتلى بابك بلغوا ألف ألف وخمس مئة ألف وأحصي قتلي أبي مسلم الخراساني فبلغوا ألفي ألف.

وفيها التقي طاغية الروم والأفشين فهزمه ولكن بعد أيام وخرب المعتصم أنقرة وأنكى في الروم وأخذ عمورية عنوة وأوطأ الروم خوفاً وذلا وأخذ بثأر الإسلام من الطاغية توفيل بن ميخائيل الذي أغار على زبطرة وملطية فدخل المعتصم الروم في مئتي ألف مقاتل وأزيد حتى لقيل كان في خمس مئة ألف وصمم على محاصرة قسطنطينية فأتاه ما أزعجه من خروج العباس بن المأمون عليه فظفر بالعباس وكان العباس بديع الحسن وكان بليداً غزا في أيام أبيه الروم وولي الحزيرة وذهبت منه الخلافة بغيبته ثم نخاه عجيف وشجعه علي الخروج ووافقه عدة أمراء وعرف المعتصم فأخذ العباس فقيل غمه بكساء حتى تلف بمنبج .

ولما عظم الأفشين باستئصاله لبابك طلب نيابة خراسان وبلغه خروج المازيار ومحاربته لابن طاهر فدس من استماله له وقوى عزمه وخرب المازيار البلاد وقتل وعسف.

ثم جهز المعتصم في سنة أربع وعشرين الأفشين لحربه وبعث ابن طاهر جيشاً عليهم عمه لحربه أيضاً وجرت حروب يطول بسطها وقتل المازيار.

وفي سنة خمس قبض المعتصم على الأفشين وكان عدوا لابن طاهر وابن أبي داود فعقراه وألقيا في ذهن المعتصم أنه يريد قتلك فتهدد كاتبه فاعترف وقال أمرني أن أكتب إلى المازيار إنه لم يبق غيري وغيرك وجيش الخليفة عند ابن طاهر وما عند الخليفة سواي فإن هزمت ابن طاهر كفيتك المعتصم ويخلص لنا الدين الأبيض- يعني المجوسية -وكان يتهم بها فوهب المعتصم للكاتب ذهباً وقال إن نطقت قتلتك. وعن ابن أبي داود قال دخلت عليه وهو يبكي ويقلق وقال لي رجل أنفقت عليه ألفي ألف دينار ويريد قتلي قد تصدقت بعشرة آلاف ألف درهم فخدها ففرقها.

وكان الأفشين قد بعث أموالا له إلى أشروسنة وهم بالهرب إليها ثم هيأ دعوة ليسم فيها المعتصم وقواده فإن لم يجىء سم القواد ويذهب إلى أرمينية ومنها إلى أشروسنة فما تهيأ له ذلك وقبض عليه المعتصم وعلي ابنه حسن وأتي بالمازيار أسيراً.

فقيل أحضر هو والأفشين وموبذ ملك السغد ومرزبان عند المعتصم فأحضر اثنان فعريا فإذا أجنابهما عرية من اللحم فقال ابن الزيات للأفشين يا حيدر تعرفهما قال نعم هذا مؤذن وهذا إمام بنيا مسجداً بأشروسنة ضربتهما ألف سوط لأن بيني وبين ملوك السغد عهدا أن أترك كل قوم على دينهم فوثب هذان على بيت أصنام أشروسنة فرمياً الأصنام وعملاه مسجداً فضربتهما.

قال ابن الزيات فما كتاب قد زينته بالذهب والجواهر فيه الكفر قال كتاب ورثته من أبى فيه أداب وحكم للأكاسرة فأخذ منه الأدب وأدع ما سواه مثل كتاب كليلة ودمنة.

فقال ابن الزيات للموبذ ما تقول قال إنه يأكل المخنوقة ويحملني على أكلها ويقول لحمها أرطب وقال لي إني دخلت لهؤلاء في كل ما أكره حتى أكلت الزيت وركبت الجمل ولبست النعل غير أني ما حلقت عانتي قط ولم يختتن وكان الموبذ مجوسياً وأسلم بعد قال الأفشين خبروني عن هذا المتكلم أثفة هو في دينه قالوا لا فكيف تصدقونه فقام المرزبان فقال يا أفشين كيف يكتب إليك أهل مملكتك قال كما يكتبون إلي أبائي إلى الإله من عبده قال ابن أبي داود فما أبقيت لفرعون قال خفت فسادهم بتغيير العادة.

قال له إسحاق بن إبراهيم المصعبي كيف تحلف فصدقك وأنت تدعي ما يدعي فروعون قال يا إسحاق هذه سورة قرأها عجيف على علي بن هشام وأنت تقرؤها علي فانظر من يقرؤها عليك.

ثم تقدم مازيار فقيل أتعرفه قال نعم قالوا هل كاتبته قال لا فقالوا للمازيار أكتب إليك قال كتب إلي أخوه على لسانه إنه لم يكن ينصر هذا الدين الأبيض غيري وغيرك وغير بابك فأما بابك فبحمقه قتل نفسه فإن خالفت لم يكن للخليفة من يرى لقتالك غيري ومعي الفرسان وأهل النجدة والبأس فإن وجهت إليك لم يبق أحد يحاربنا إلا العرب والمغاربة والأتراك فأما العربي فمنزلته ككلب أطرح له كسرة ثم أضرب رأسه بالدبوس وهؤلاء الذئاب يعني المغاربة فأكلة رأس وأما التركي فرنما هي ساعة وتنفد سهامهم ثم تجول عليهم الخيل جولة ويعود الدين إلى ما كان.

فقال الأفشين هذا يدعي على أخي ولو كنت قد كتبت بهذا إليه لأخدعه لكان غير مستنكر وكنت آخذ برقبته فزجره ابن أبي داود وقال أختين أنت قال لا قال لم قال خفت التلف قال أنت تلقي الحروب وتخاف من قطعة قلفة قال تلك ضرورة أصبر عليها وتلك القلفة لا أخرج بها من الإسلام فقال أحمد قد بان لكم أمره. وفيها سقطت أكثر الأهواز من الزلزلة ودامت أياماً.

وفي سنة ست وقع برد كالبيض من السماء قتل ثلاث مئة وسبعين نفساً.

ومنع الأفشين المذكور من الطعام حتى هلك ثم صلب ميتا وأحرق مع أصنام عنده وهو من أولاد الأكاسرة وكان أكبر الدولة.

وأما المازيار واسمه محمد بن قارن فظالم غاشم جبار ظهر بطبرستان وحارب عسكر المعتصم ثم أسر فضرب حتى مات وصلب وترك أموالاً لا تنحصر.

وفي سنة 227 ظهر أبو حرب المبرقع بفلسطين وزعم أنه السفياني ودعا إلى إقامة الحق وكان قتل جندياً آذى زوجته ثم ألبس وجهه برقعاً وأقام بالغور واستفحل أمره واجتمع عليه أهل البر وتفاقم الأمر فسار لحربه أمير دمشق رجاء الحصاري في ألف فارس فوجده في زهاء مئة ألف فهابه فلما جاء وقت الزراعة تفرقوا حتي بقي في نحو ألفين فالتقوا وكان المبرقع شجاعاً مقداماً فحمل على الجيش فأفرجوا فأحاطوا به فأسروه وسجن فمات.

قال نفطويه يقال للمعتصم المثمن فإنه ثامن بني العباس وتملك ثماني سنين وثمانية أشهر وله فتوحات ثمانية بابك وعمورية والزط وبحر البصرة وقلعة الأجراف وعرب ديار ربيعة والشاري وفتح مصر يعني قهر أهلها قبل خلافته وقتل ثمانية بابك والأفشين ومازيار وباطيس ورئيس الزنادقة و عجيفاً وقارون وأمير الرافضة. وقال غير نفطويه خلف من الذهب ثمانية آلاف ألف دينار وثمانية عشر ألف ألف درهم وثمانين ألف فرس وثمانية آلاف مملوك وثمانية آلاف جارية وبني ثمانية قصور وقيل بلغ مماليكه ثمانية عشر ألفاً وكان ذا سطوة إذا غضب لا يبالي من قتل.

قال إسحاق المصعبي والله ما رأيت مثل المعتصم رجلاً لقد رأيته يملي كتاباً ويقرأ كتاباً ويعقد بيده وإنه لينشد شعراً يتمثل به.

مات المعتصم يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول ودفن بسر من رأى وصلى عليه ابنه الواثق.

وقيل إنه قال اللهم إني أخافك من قبلي ولا أخافك من قبلك وأرجوك من قبلك قبلي ولا أرجوك من قبلي.

له من الولد الواثق، جعفر المتوكل والعباس وعلي وأحمد ومحمد وعبد الله وسليمان وإبراهيم وفاطمة وأم القاسم وأم العباس وأم موسى وعائشة وأم الفضل وأم محمد وأم عيسى وأم موسى وأم أبيها وأم عبد الله.


المرجع: سير أعلام النبلاء

[الفيس بوك]

[المنتدى] [الصفحة الرئيسية]