تعرف علينا  |  دليل الموقع  |  رسـائـل وأخبار   |  معرض الصور  | عرفونا بكم  |  اتصل بنا 


عودة إلى: حكام وسياسيون

المتوكل على الله
توفي 247 هـ

أبو الفضل جعفر بن المعتصم بن الرشيد بن المدي. أمه تركية واسمها شجاع، بويع له لست بقين من ذي الحجة سنة 232. قتل ودفن في القصر الجعفري، وهو قصر ابتناه بسر من رأى. وقال الدولابي في تاريخه: أنه دفن هو والفتح بن خاقان وزيره ولم يصل عليهما، فكانت خلافته أربع عشرة سنة وتسعة أشهر وتسعة أيام.

قتل المتوكل محمد ولده المنتصر بالله بسر من رأى وهو على خلوة مع وزيره، فابتدره باغر التركي بسيف، فقام وزيره الفتح بن خاقان في وجهه ووجوه القوم، فاعتوره القوم بسيوفهم فقتلوهما معا وقطعوهما حتى اختلطت لحومهما فدفنا معا، على ما قيل. وكان السبب في قتله على ما حكي أنه قدم المعتز على المنتصر، والمنتصر أسن منه، وكان يتوعده وسبه ويسب أمه ويأمر الذين يحضرون مجلسه من أهل السخف بسبه، فسعى في قتله ووجد الفرصة في تلك الليلة. وكان من الاتفاق العجيب أن المتوكل كان قد أهدى له سيف قاطع لا يكون مثله، فعرض على جميع حاشيته وكل يتمناه فقال المتوكل: لا يصلح هذا السيف إلا لساعد باغر، ووهبه له دون غيرة، فاتفق أنه أول داخل عليه فضربه به فقطع حبل عاتقه.

وحكى علي بن يحيى بن المنجم قال: كنت أقرأ على المتوكل قبل قتله بأيام كتب الملاحم فوقف على موضع فيه أن الخليفة العاشر يقتل في مجلسه، فتوقفت عن قراءته فقال: ما لك؟ فقلت: خير، قال: لا بد أن تقرأه فقرأته وحدت عن ذكر الخلفاء فقال: ليت شعري من هذا الشقي المقتول؟ وكان مربوعاً أسمر خفيف شعر العارضين، رفع المحنة في الدين، وأخرج أحمد بن حنبل من الحبس وخلع عليه.

وكان بالدينور شيخ يتشيع ويميل إلى مذهب الإمامة، وكان له أصحاب يجتمعون إليه ويأخذون عنه ويدرسون عنده، يقال له بشر الجعاب، فرفع صاحب الخبر بالدينور إلى المتوكل أن بالدينور رجلاً رافضياً يحضره جماعة من الرافضة ويتدارسون الرفض ويسبون الصحابة ويشتمون السلف، فلما وقف المتوكل على كتابه أمر وزيره عبيد الله بن يحيى بالكتاب إلى عامله على الدينور بإشخاص بشر هذا والفرقة التي تجالسه، فكتب عبيد الله بن يحيى بذلك، فلما وصل إلى العامل كتابه - وكان صديقا لبشر الجعاب حسن المصافاة له شديد الإشفاق عليه - همه ذلك وسق عليه فاستدعى بشرا واقرأه ما كوتب به في أمره وأمر أصحابه، فقال بشر: عندي في هذا رأي إن استعملته كنت غير مستبطإ فيما أمرت به وكنت بمنجاة مما أنت خائف علي منه، قال: وما هو؟ قال: بالدينور شيخ خفاف اسمه بشر ومن الممكن المتيسر أن تجعل مكان الجعاب الخفاف وليس بمحفوظ عنده ما نسبت إليه من الحرفة والصناعة، فسر العامل بقوله وهمد إلى العين من الجعاب فغير عينها وغير استواء خطها وانبساطه ووصل الباء بما صارت به فاء؛ فكان أخبر عن بشر الخفاف أنه أبله في غاية البله والغفلة وأنه هزأة عند أهل بلده وضحكة، وذلك أن أهل سواد البلد يأخذون من الخفاف التامة والمقطوعة بسيئة ويعدونه بأثمانها عند حصول الغلة، فإذا حصلت وحازوا ما لهم منها ما طلوه بدينه ولووه بحقه واعتلوا بأنواع الباطل عليه، فإذا انقضى وقت السادر ودنا الشتاء واحتاجوا إلى الخفاف وما جرى مجراها، وافوا بشرا هذا واعتذروا إليه وخدعوه وابتدروا يعدونه الوفاء ويؤكدون مواعيدهم بالأيمان الكاذبة والمعاهدة الباطلة، ويضمنون له أداء الديون الماضية والمستأنفة، فيحسن ظنه بهم وسكونه ويستلم اليهم ويستأنف إعطاءهم من الخفاف وغيرها ما يريدونه، فإذا حضرت الغلة أجروه على العادة وحملوه على ما تقدم من السنة ثم لايزالون على هذه الوتيرة من أخذ سلعة في وقت حاجتهم ودفعه عن حقه في إبان غلاتهم فلا يتنبه من رقدته ولا يفيق من سكرته؛ فانفذ صاحب الخبر كتابه واشار بتقدم الخفاف أمام القوم والإقبال عليه بالمخاطبة وتخصيصه بالمسألة ساكناً إلى أنه من ركاكته وفهاهته بما يضحك الحاضرين ويحسم الاشتغال بالبحث عن هذه القصة، ويتخلص من هذه الثلاثة؛ فلما ورد كتاب صاحب الخبر أعلم عبيد الله بن يحيى المتوكل به وبحضور القوم، فأمر أن يجلس ويستحضرهم ويخاطبهم فيما حكي عنهم، وأمر فعلق بينه وبينهم سلبية ليقف على ما يجري ويسمعه ويشاهده، ففعل ذلك، وجلس عبيد الله واستدعى المحضرين، فقدموا إليه يقدمهم بشر الخفاف، فلما جلسوا أقبل عبيد الله على بشر فقال له: أنت بشر الخفاف؟ فقال: نعم، فسكنت نفوس الحاضرين معه إلى تمام هذه الحيلة وإتمام هذه المدالسة وجواز هذه المغالطة، فقال له: إنه رفع إلى أمير المؤمنين من أرمكم شيء أنكره فأمر بالكشف عنه وسؤالكم بعد إحضاركم عن حقيقته، فقال له بشر: نحن حاضرون فما الذي تأمرنا به؟ قال: بلغ أمير المؤمنين أنه يجتمع اليك قوم فيخوضون معك في الترفض وشتم الصحابة، فقال بشر: ما أعرف من هذا شيئاً، قال: قد أمرت بامتحانكم والفحص عن مذاهبكم، فقال: ماتقول في السلف؟ فقال: لعن الله السلف، فقال له عبيد الله: ويلك أتدري ما تقول؟ قال: نعم لعن الله السلف، فخرج خادم من بين يدي المتوكل فقال لعبيد الله: يقول لك أمير المؤمنين: سله الثالثة فإن أقام على هذا فاضرب عنقه، فقل له: إني سائلك هذه المرة فإن لم تتب وترجع عما قلت أمرت بقتلك، فما تقول الآن في السلف؟ فقال: لعن الله السلف، قد خرب بيتي وأبطل معيشتي وأتلف مالي وأفقرني وأهلك عيالي، قال: وكيف؟ قال: أنا رجل أسلف الأكرة وأهل الدستان الخفاف والتمسكات على ان يوفوني الثمن مما يحصل من غلاتهم، فأصير اليهم عند حصول الغلة في بيادرهم، فغذا أحرزوا الغلات دفعوني عن حقي وامتنعوا من توفيتي مالي، ثم يعودون عند دخول الشتاء فيعتذرون إلي ويحلفون بالله لا يعاودون مطلي وظلمي، فإنهم يؤدون إلي المتقدم والمتأخر من مالي، فأجيبهم إلى ما يلتمسونه وأعطيهم ما يطلبونه، فإذا جاء وقت الغلة عادوا إلى مثل ما كانوا عليه من ظلمي وكسر مالي، فقد اختلت حالي وافتقرت عيالي؛ قال: فسمع ضحك عال من وراء السبيبة، وخرج الخادم فقال: استحلل هؤلاء القوم وخل سبيلهم؛ فقالوا: يا أمير المؤمنين في حل وسعة، فصرفهم فلما توسطوا صحن الدار قال بعض الحاضرين: هؤلاء قوم مجان محتالون وصاحب الخبر مسقط لا يكتب إلا بما يعلمه ويثق بصحته، وينبغي أن يستقصى الفحص عن هذا والنظر فيه، فأمر بردهم، فلما أمروا بالرجوع قال بعض الجماعة التابعة لبعض: ليس هذا من ذلك الذي تقدم فينبغي أن تتولى الكلام نحن وسنسلك طريق الجد والديانة، فرجعوا فأمروا بالجلوس، ثم أقبل عبيد الله على القوم فقال: إن الذي كتب في أمركم ليس ممن تقدم على الكتب بما لا يقبله علما ويحيط به خبراً وقد أخذ أمير المؤمنين باستئناف امتحانكم وانعام التفتيش عن أمركم، فقالوا: افعل ما أمرت به، فقال: من خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلنا: علي بن أبي طالب، فقال الخادم بين يديه: قد سمعت ما قالوا، فأخبر أمير المؤمنين به، فمضى ثم عاد فقال: يقول لكم أمير المؤمنين هذا مذهبي، فقلنا: الحمد لله الذي وفق أمير المؤمنين في دينه ووفقنا لاتباعه وموافقته على مذهبه، ثم قال لهم: ماتقولون في أبي بكر رضي الله عنه؟ فقالوا: رحمة الله على ابي بكر نقول فيه خيراً، قال: فما تقولون في عمر؟ قلنا: رحمة الله عليه ولا نحبه، قال: ولم؟ قلنا: للأنه أخرج مولانا العباس من الشورى، قال: فسمعنا من وراء السبيبة ضحكاً أعلى من الضحك الأول ثم أتى الخادم فقال لعبيد الله عن المتوكل: أتبعهم صلة فقد لزمتهم في طريقهم مؤونة واصرفهم، فقالوا: نحن في غنى وفي المسلمين من هو أحق بهذه الصلة وإليها أحوج، وانصرفوا.

وحكى علي بن الجهم قال: لما أفضت الخلافة إلى المتوكل أهدى إليه ابن طاهر من خراسان هدية جليلة فيها جوار فيهن جارية يقال لها محبوبة قد نشأت بالطائف وبرعت في الأدب وأجادت قول الشعر وحذقت الغناء وقربت من قلب المتوكل وغلبت عليه فكانت لا تفارق مجلسه، فوجد عليها مرة فهجرها أياما، وبكرت عليه فقال: يا علي قلت: لبيك يا أمير المؤمنين، قال رأيت الليلة في منامي كأني رضيت عن محبوبة وصالحتها وصالحتني، قلت: خيراً يا أمير المؤمنين أقر الله عينك وسرك، إنما هي عبدتك والرضى والسخط بيدك، فو الله أنا لفي ذلك إذ جاءت وصيفة فقالت: يا أمير المؤمنين سمعت صوت عود من حجرة محبوبة، فقال: قم بنا يا علي ننظر ما تصنع، فنهضنا حتى أتينا حجرتها فإذا هي تضرب العود وتغني:
 

أدور في القصر لاأرى أحداً

 

أشكو إليه ولا يكلـمـنـي

كأنني قد أتيت مـعـصـيةً

 

ليس لها توبة تخلصـنـي

فهل شفيع لـنـا إلـى مـلـكٍ

 

قد زارني في الكرى وصالحني

حتى إذا ما الصبـاح لاح لـنـا

 

عاد إلى هجره فصـارمـنـي

قال: فصاح أمير المؤمنين وصحت معه، فسمعت فتلقته وأكبت على قدميه تقبلهما، فقال: ما هذا؟ قالت: يا مولاي رأيت في ليلتي كأنك رضيت عني فتعللت بما سمعت، قال: وأنا والله رأيت مثل ذلك، فقال لي: يا علي رأيت أعجب من هذا كيف اتفق؟ ورجعنا إلى الموضع الذي كنا فيه ودعا بالجلساء والمغنين واصطبح وما زالت تغنيه الأبيات يومه ذلك؛ قال: وزادت حظوة عنده حتى كان من أمره ما كان، فتفرق جواريه وصارت محبوبة إلى وصيف الكبير فما زالت حزينة باكية، فدعاها يوما وأمرها أن تغني فاستعفته وجيء بعود فوضع في حجرها فغنت.

أي عـيش يلــذ لـــي

 

لا أرى فـيه جـعـفـرا

كل من كان في ضنى

 

 وسقام فقد برا

غير محبوبة التي

 

لو ترى الـموت يشـتـرى

لا شترته بما حوته

 

 يداها لتـقـبـرا

ولبست السواد والصوف وما زالت تبكيه وترثيه حتى ماتت.

المرجع: وفيات الأعيان

[الفيس بوك]

[المنتدى] [الصفحة الرئيسية]