عودة
إلى:
حكام وسياسيون
المأمون
170- 218 هـ
هو الخليفة أبو
العباس عبد الله بن
هارون
الرشيد بن محمد المهدي ابن أبي جعفر المنصور العباسي.
قرأ العلم
والأدب والأخبار والعقليات وعلوم الأوائل وأمر بتعريب كتبهم وبالغ وعمل
الرصد فوق جبل
دمشق ودعا إلى القول بخلق القرآن وبالغ.
كان من رجال
بني العباس حزماً وعزماً ورأياً وعقلاً وهيبة وحلماً ومحاسنه كثيرة في
الجملة.
قال ابن أبي
الدنيا كان أبيض ربعة حسن الوجه تعلوه صفرة قد وخطه الشيب وكان طويل اللحية
أعين ضيق الجبين على خده شامة.
أتته وفاة أبيه
وهو بمرو سائرا لغزو ما وراء النهر فبايع من قبله لأخيه الأمين ثم جرت
بينهما أمور وخطوب وبلاء وحروب تشيب النواصي. إلى أن قتل الأمين وبايع
الناس المأمون في أول سنة ثمان وتسعين ومئة.
كان المأمون
عالما فصيحا مفوها وكان يقول معاوية بن أبي سفيان بعمره وعبد الملك بحجاجه
وعن المأمون أنه تلا في رمضان ثلاثا وثلاثين ختمة.
عن المأمون من
أراد أن يكتب كتاباً سراً فليكتب بلبن حلب لوقته ويرسله فيعمد إلى قرطاس
فيحرقه ويذر رماده على الكتابة فيقرأ له.
قال الصولي اقترح المأمون في الشطرنج أشياء وكان يحب اللعب بها ويكره أن
يقول نلعب بها بل نتناقل بها. وقيل إن المأمون استخرج كتب الفلاسفة
واليونان من جزيرة قبرس وقدم دمشق مرتين.
قال أبو معشر المنجم كان أماراً بالعدل محمود السيرة ميمون النقيبة فقيه
النفس يعد من كبار العلماء.
عن المأمون قال لو عرف الناس حبي للعفو لتقربوا إلي بالجرائم وأخاف أن لا
أوجر فيه.
قيل أهدى ملك الروم للمأمون نفائس منها مئة رطل مسك ومئة حلة سمور فقال
المأمون أضعفوها له ليعلم عز الإسلام.
كان المن كثير الغزو وفي ثاني سنة من خلافته خرج عليه بالكوفة محمد ابن
طباطبا العلوي يدعو إلى الرضى من آل محمد والعمل بالسنة وكان مدير دولته
أبو السرايا الشيباني ويسرع الناس إليه وبادر إليه الأعراب فالتقاه عسكر
المأمون عليهم زهير بن المسيب فانهزموا وقوي أمر العلوي ثم أصبح ميتاً فجأة
فقيل سمه أبو السرايا وأقام في الحال مكانة أمرد علوياً ثم تجهز لحربهم جيش
فكسروا وقتل مقدمهم عبدوس المروروذي وقوي الطالبيون وأخذوا واسطاً والبصرة
وعظم الخطب ثم حشد الجيش عليهم هرثمة وجرت فصول طويلة والتقوا غير مرة ثم
هرب أبو السرايا والطالبيون من الكوفة ثم قتل أبو السرايا سنة مئتين وهاجت
العلوية بمكة وحاربوا وعظم هرثمة بن أعين وأعطي إمرة الشام فلم يرض بها
وذهب إلى مرو فقتلوه. ثم في سنة إحدى ومئتين جعل المأمون ولي عهده عليا
الرضى ولبس الخضرة وثارت العباسية وفيها تحرك بابك الخرمي بأذربيجان وقتل
وسبى وذكر الرضى للمأمون ما الناس فيه من الحرب والفتن منذ قتل الأمين وبما
كان الفضل بن سهل يخفيه عنه من الأخبار وأن أهل بيته قد خرجوا ونقموا أشياء
ويقولون هو مسحور وهو مجنون قال ومن يعرف هذا قال عدة من أمرائك فأسألهم
فأبوا أن ينطقوا إلا بأمان من الفضل فضمن ذلك فبينوا له وأن طاهر بن الحسين
قد أبلى في طاعتك وفتح الأمصار وقاد إلى أمير المؤمنين الخلافة ثم أخرج من
ذلك كله وصير في الرقة ولو كان على العراق حاكماً لضبطها بخلاف الحسن بن
سهل وقالوا له فسر إلى العراق فلو رآك القواد لأذعنوا بالطاعة فقال سيروا
فلما علم الفضل ضرب بعضهم وحبس آخرين وما أمكن المأمون مبادرته فسار من مرو
الى سرخس فشد قوم علي الفضل فقتلوه في حمام في شعبان سنة اثنتين ومئتين عن
ستين سنة فجعل المأمون لمن جاء بقاتليه عشرة آلاف دينار وكانوا أربعة من
مماليك المأمون فقالوا أنت أمرتنا بقتله فأنكر وضرب أعناقهم.وضعف أمر
إبراهيم بن المهدي بعد محاربة وبلاء. وفي سنة مات الرضى فجأة. وفي سنة أربع
وصل المأمون فتلقاه إلى النهروان بنوالعباس وبنو العباس أبي طالب وعتبوا
عليه في لبس الخضرة فتوقف ثم أعاد السواد. وفيها التقى يحيى بن معاذ أمير
الجزيرة بابك الخرمي وولي طاهر جميع خراسان وأمر له بعشرة آلاف ألف درهم.
وفيها أي سنة 205 نصر المسلمون على بابك وبيتوه. وفي سنة سبع خرج باليمن
علوي فأمنه المأمون وقدم. ومات طاهر ويقال إنه كان قد قطع دعوة المأمون قبل
موته وخرج فقام بعده ابنه طلحة فولاه المأمون خراسان فبقي سبعة أعوام ومات
فوليها أخوه عبد الله بن طاهر.
وكانت الحروب شديدة بين عسكر الإسلام وبين بابك وظهر باليمن الصناديقي وقتل
وسبى وادعى النبوة ثم هلك بالطاعون. وخرج حسن أخو طاهر بن الحسين بكرمان
فظفر به المأمون وعفا عنه.
كان المأمون يجل أهل الكلام ويتناظرون في مجلسه وسار صدقة بن علي لحرب بابك
فأسره بابك وتمرد وعتا. وفي سنة عشر دخل المأمون ببوران بنت الحسن بن سهل
بواسط وأقام عندها بجيشه سبعة عشر يوماً فكانت نفقة الحسن على العرس
وتوابعه خمسين ألف ألف درهم فمكنة المأمون مدينة وأعطاه من المال خمس مئة
ألف دينار.وفي سنة إحدى عشرة قهر ابن طاهر المتغلبين على مصر وأسر جماعة.
وفي سنة اثنتي عشرة سار محمد بن حميد الطوسي لمحاربة بابك وأظهر المأمون
تفضيل علي على الشيخين وأن القرآن مخلوق واستعمل على
مصر والشام أخاه المعتصم فقتل طائفة وهذب مصر ووقع المصاف مع بابك
مرات. وفي سنة خمس عشرة سار المأمون لغزو الروم ومن غزوته عطف إلى دمشق.
وفي سنة ست عشرة كر غازياً في الروم وجهز أخاه المعتصم ففتح حصوناً ودخل
سنة سبع عشرة مصر وقتل المتغلب عليها عبدوساً الفهري ثم كر إلى أذنة وسار
فنازل لؤلؤة وحاصرها مئة يوم وترحل.
وأقبل توفيل طاغية الروم ثم وقعت الهدنة بعد أن كتب توفيل فبدأ بنفسه وأغلظ
في المكاتبة فغضب المأمون وعزم على المسير إلى قسطنطينية فهجم الشتاء.
وفيها وقع حريق عظيم بالبصرة أذهب أكثرها.
وفي سنة اهتم المأمون ببناء طوانة وحشد لها الصناع وبناها ميلاً في ميل وهي
وراء طرطوس وافتتح عدة حصون وبالغ في محنة القرآن وحبس إمام الدمشقيين أبا
مسهر بعد أن وضعه في النطع للقتل فتلفظ مكرهاً.
كتب المأمون إلى نائبه على
العراق إسحاق بن إبراهيم الخزاعي كتاباً يمتحن العلماء يقول فيه
وقد عرفنا أن الجمهور الأعظم والسواد من حشو الرعية وسفلة العامة ممن لا
نظر لهم ولا روية أهل جهالة وعمى عن أن يعرفوا الله كنه معرفته ويقدروه حتى
قدره ويفرقوا بينه وبين خلقه فساووا بين الله وبين خلقه وأطبقوا علي أن
القرآن قديم لم يخترعه الله وقد قال" أنا جعلناه قرآنا" فكل ما جعله فقد
خلقه كما قال" وجعل الظلمات والنور " وقال" نقص عليك من أنباء ما قد سبق"
فأخبر أنه قصص لأمور أحدثه بعدها.
وقال" وأحكمت آياته ثم فصلت" والله محكم له فهو خالقه ومبدعه إلى أن قال "فمات
قوم من أهل السمت الكاذب والتخشع لغير الله إلى موافقتهم فرأى أمير
المؤمنين أنهم شر الأمة ولعمرو أمير المؤمنين إن أكذب الناس من كذب علي
الله ووحيه ولم يعرف الله حق معرفته فاجمع القضاة وامتحنهم فيما يقولون
وأعلمهم أني غير مستعين في عمل ولا واثق بمن لا يوثق بدينه فإن وافقوا
فمرهم بنص من بحضرتهم من الشهود ومسألتهم عن علمهم في القرآن ورد شهادة من
لم يقر أنه مخلوق".
كتب المأمون أيضاً في أشخاص سبعة محمد بن سعد وابن معين وأبي خيثمة وأبي
مسلم المستملي وإسماعيل بن داود وأحمد الدورقي فامتحنوا فأجوا قال ابن معين
جبنا خوفاً من السيف وكتب بإحضار من امتنع منهم أحمد بن حنبل وبشر بن
الوليد وأبي حسان الزيادي والقواريري وسجادة وعلي بن الجعد وإسحاق بن أبي
إسرائيل وعلي بن أبي مقاتل وذيال بن الهيثم وقتيبة بن سعيد وسعدويه في عدة
فتلكأ طائفة وصمم أحمد وابن نوح فقيدا وبعث بهما فلما بلغا الرقة تلقاهم
موت المأمون وكان مرض بأرض الثغر فلما احتضر طلب ابنه العباس ليقدم فوافاه
بآخر رمق وقد نفذت الكتب إلي البلدان فيها من المأمون وأخيه أبي إسحاق
الخليفة من بعده فقيل وقع ذلك بغير أمر المأمون وقيل بل بأمره .
أشهد على نفسه عند الموت أن عبد الله بن هارون أشهد عليه أن الله وحده لا
شريك له وأنه خالق وما سواه مخلوق ولا يخلو القرآن من أن يكون شيئاً له مثل
والله لا مثل له والبعث حق وإني مذنب أرجو وأخاف وليصل على أقربكم وليكبر
خمساً فرحم الله عبداً اتعظ وفكر فيما حتم الله علي جميع خلقه من الفناء
فالحمد لله الذي توحد بالبقاء ثم لينظر امرؤ ما كنت فيه من عز الخلافة هل
أغنى عني شيئاً إذ نزل أمر الله بي لا والله لكن أضعف به على الحساب فيا
ليتني لم أك شيئاً يا أخي ادن مني واتعظ بما ترى وخذ بسيرة أخيك في القرآن
وأعمل في الخلافة إذ طوقكها الله عمل المريد لله الخائف من عقابه ولا تغتر
فكأن قد نزل بك الموت ولا تغفل أمر الرعية الرعية الرعية فإن الملك بهم
الله الله فيهم وفي غيرهم يا أبا إسحاق عليك عهد الله لتقومن بحقه في عباده
ولتؤثرن طاعته علي معصيته فقال اللهم نعم هؤلاء بنو عمك من ذرية علي رضي
الله عنه أحسن صحبتهم وتجاوز عن مسيئهم. ثم مات في رجب في ثاني عشرة، توفي
بالبذندون فنقله ابنه العباس ودفنه بطرسوس في دار خاقان خادم أبيه.
قال الأصمعي كان نقش خاتمه عبد الله بن عبيد الله. وله من الأولاد محمد
الكبير والعباس وعلي ومحمد وعبيد الله والحسن وأحمد وعيسى وإسماعيل والفضل
وموسى وإبراهيم ويعقوب وحسن وسليمان وهارون وجعفر وإسحاق وعدة بنات.
المرجع: سير أعلام
النبلاء
|