عودة إلى: فلاسفة وعلماء ورحالة الجاحـظ 159 هـ - 255هـ هو إمام البلاغة المشهور وصاحب الكتب الممتعة، من أشهرها "كتاب الحيوان" و"البيان والتبيين" و"كـتاب البـخـلاء" وغيرها. توفي وقد نيّف على التّسعين سنة. اسمه أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الكناني اللّيثي البصري. له مقالة في أصول الدّين وإليه تُنسَب الجاحظية التّي تشكّل إحدى فرق المعتزلة التي كان لها ركنًا بارزًا من أركانها. كان تلميذ أبي إسحق إبراهيم بن سيار البلخي، المعروف بالنّظام المتكلّم المشهور. من مذهبه أن المعارف كلّها طباعًا وليس بشيء من ذلك من أفعال العباد، وليس للعباد سوى الإرادة. قال في أهل النار إنّهم لا يخلدون فيها عذاباً بل يصيرون إلى طبيعة النار. ومذهبه مذهب الفلاسفة المعتزلة في نفي الصّفات وفي إثبات القدر، خيره وشرّه. وقال إنّ الناس محجوبون بمعرفتهم، وهم صُنفان: عالِمٌ بالتّوحيد وجاهِلٌ به. فالجّاهل معذور والعالم محجوج ومن انتحل دين الإسلام، فإن اعتقد أن اللّه تعالى ليس بجسمٍ ولا بصورةٍ ولا يُرَى بالأبصار وهو عدل لا يجور ولا يريد المعاصي.. وبعد الإعتقاد والتّبيين أقرّ بذلك كلّه. فهو مسلم حقًا. وإن عرف ذلك كله ثم جحده وأنكره أو دان بالتشبيه والجبر فهو مشرك كافر حقًا. وإن لم ينظر في شيء من ذلك واعتقد أن اللّه تعالى ربه وأن محمدًا رسول اللّه فهو مؤمن لا لوم عليه ولا تكليف عليه غير ذلك. احتل الجاحظ في دنيا الأدب والعلم مكان الصدارة، فهو رائد المدرسة الأدبيّة الشعبية التي تناولت مختلف طبقات الناس، بعد أن كانت المدرسة الأدبية الأرستقراطية هي السائدة مع ابن المقفع، وتقتصر على الحديث عن الملوك والأمراء، فأصبحت مع الجاحظ تتناول العامة من الناس، لا تستثني منهم أحدًا. تمتاز مدرسة أبي عثمان الأدبية بأسلوبٍ عُرِف باسمه، يقوم على التّنوع اللّفظي والإستطراد من موضوعٍ إلى آخر والإسهاب والبُعد عن الصناعة اللّفظية والإرسال، لإعتقاده أنّ الألوان البديعية من سجع وطباق وجناس تقيد الفكرة وتُلهي القارئ بألاعيبها عن المعنى. لكنّه استعاض عن هذه الألوان بحسن تزاوج الألفاظ والإكثار من المترادفات، فحقّق بذلك نوعًا من التّناغم الموسيقيّ. وقد نظر البعض إلى الإستطراد عند الجاحظ على انّه نقطة ضعفٍ في أدبه ولكنّ أبا عثمان اعتمده حتى يزيل الملل من ذهن القارئ. فالإستطراد، وبخاصّة في المواضيع العلمية، كان أشبه بمحطّة استراحة. والجاحظ المعتزلي كان يؤمن بسيادة العقل ويدعو إلى العمل بأحكامه لا بأحكام الحواس التي قد تخطئ فيقول: "لا تذهب إلى ما تريك العين واذهب إلى ما يريك العقل". والرّوح الجاحظية ضَرْب مثلٍ بالظّرف والكياسة، جعلته خفيف الظّل، حاضر النّكتة. ومجمل القول في الجاحظ إنّه أديب العربية الكبير، جمع إلى طول باعيه في الأدب الرّفيع العالِم الذي انتقد نظريات المعلّم الأول أرسطو، ولم يقر رأيًا علميًا إلاّ بعد إخضاعه للتّجربة والمراقبة. ولو عاش اليوم في عصرنا، عصر المختبرات العلمية المختلفة، لكان من كبار العلماء إلى جانب كونه من كبار الأدباء. قال ياقوت الحموي في "معجم الأدباء": (( أبو عثمان الجاحظ مولى أبي القلمس عمرو بن قلع الكناني ثم الفقمي أحد النسابين، قال يموت بن المزرع: الجاحظ خال أمي، وكان جد الجاحظ أسود يقال له فزارة، وكان جمالاً لعمرو بن قلع الكناني. وقال أبو القاسم البلخي: الجاحظ كناني من أهل البصرة، وكان الجاحظ من الذكاء وسرعة الخاطر والحفظ بحيث شاع ذكره، وعلا قدره، واستغنى عن الوصف. قال المرزباني: حدث المادي قال: حدثني من رأى الجاحظ يبيع الخبز والسمك بسيحان. قال الجاحظ: أنا أسن من أبي نواس بسنة، ولدت في أول سنة خمس ومائة وولد في آخرها. مات الجاحظ سنة خمس وخمسين ومائتين في خلافة المعتز وقد جاوز التسعين، سمع من أبي عبيدة والأصمعي وأبي زيد الأنصاري، وأخذ النحو عن الأخفش أبي الحسن وكان صديقه، وأخذ الكلام عن النظام، وتلقف الفصاحة من العرب شفاهاً بالمربد. وحدثت أن الجاحظ قال: نسيت كنيتي ثلاثة أيام حتى أتيت أهلي فقلت لهم: بم أكنى؟ فقالوا: بأبي عثمان. وحدث أبو هفان قال: لم أر قط ولا سمعت من أب الكتب والعلوم أكثر من الجاحظ، فإنه لم يقع بيده كتاب قط إلا استوفى قراءته كائناً ما كان، حتى إنه كان يكتري دكاكين الوراقين ويبيت فيها للنظر. والفتح بن خاقان، فإنه يحضر لمجالسة المتوكل، فإذا أراد القيام لحاجة أخرج كتاباً من كمه أو خفه وقرأه في مجلس المتوكل إلى حين عوده إليه حتى في الخلاء وإسماعيل بن إسحاق القاضي فإني ما دخلت إليه إلا رأيته ينظر في كتاب، أو يقلب كتباً أو ينفضها. وقال المرزباني: قال أبو بكر أحمد بن علي: كان أبو عثمان الجاحظ من أصحاب النظام، وكان واسع العلم بالكلام، كثير التبحر فيه شديد الضبط لحدوده، ومن أعلم الناس به وبغيره من علوم الدين، وله كتب كثيرة مشهورة جليلة في نصرة الدين، وفي حكاية مذهب المخالفين، وفي الآداب والأخلاق، وفي ضروب من الجد والهزل، وقد تداولها الناس وقرؤوها وعرفوا فضلها. وإذا تدبر العاقل المميز أمر كتبه علم أنه ليس في تلقيح العقول وشحذ الأذهان، ومعرفة أصول الكلام وجواهره، وإيصال خلاف الإسلام ومذاهب الاعتزال إلى القلوب - كتب تشبهها، والجاحظ عظيم القدر في المعتزلة وغير المعتزلة من العلماء الذين يعرفون الرجال ويميزون الأمور. قال المرزباني: وكان الجاحظ ملازماً لمحمد بن عبد الملك خاصاً به، وكان منحرفاً عن أحمد بن أبي دؤاد للعداوة بين أحمد ومحمد. ولما قبض على محمد هرب الجاحظ فقيل له: لم هربت؟ فقال: خفت أن أكون ثاني اثنين إذ هما في التنور، يريد ما صنع بمحمد، وإدخاله تنور حديد فيه مسامير كان هو صنعه ليعذب الناس فيه، فعذب هو فيه حتى مات - يعني محمد بن الزيات -. وحدث علي بن محمد الوراق قال: من كتاب الجاحظ إلى ابن الزيات: لا والله، ما عالج الناس داءً قط أدوى من الغيظ، ولا رأيت شيئاً هو أنفذ من شماتة الأعداء، ولا أعلم باباً أجمع لخصال المكروه من الذل، ولكن المظلوم ما دام يجد من يرجوه، والمبتلى ما دام يجد من يرثي له، فهو على سبب درك وإن تطاولت به الأيام، فكم من كربة فادحة، وضيقة مصمتة قد فتحت أقفالها وفككت أغلالها، ومهما قصرت فيه فلم أقصر في المعرفة بفضلك، وفي حسن النية بيني وبينك، لا مشتت الهوى، ولا مقسم الأمل، على تقصير قد احتملته، وتفريط قد اغتفرته، ولعل ذلك أن يكون من ديون الإدلال وجرائم الإغفال، ومهما كان من ذلك فلن أجمع بين الإساءة والإنكار، وإن كنت كما تصف من التقصير وكما تعرف من التفريط، فإني من شاكري أهل هذا الزمان، وحسن الحال. متوسط المذهب، وأنا أحمد الله على أن كانت مرتبتك من المنعمين فوق مرتبتي في الشاكرين، وقد كانت علي بك نعمة أذاقتني طعم العز، وعودتني روح الكفاية، ولوت هذا الدهر وجهده، ولما مسخ الله الإنسان قرداً وخنزيراً ترك فيهما مشابه من الإنسان، ولما مسخ زماننا لم يترك فيه مشابه من الأزمان. وقال أبو عثمان: ليس جهد البلاء مد الأعناق وانتظار وقع السيف، لأن الوقت قصير، والحين معمور، ولكن جهد البلاء أن تظهر الخلة وتطول المدة، وتعجز الحيلة، ثم لا تعدم صديقاً مؤنباً، وابن عم شامتاً، وجاراً حاسداً، وولياً قد تحول عدواً، وزوجة مختلعة، وجارية مسبعة، وعبداً يحقرك، وولداً ينتهرك. وقال الجاحظ: إذا سمعت الرجل يقول: ما ترك الأول للآخر شيئاً، فاعلم أنه ما يريد أن يفلح. قال أبو حيان في كتاب التقريظ ومن خطه نقلت: وحدثنا أبو دلف الكاتب قال: صدر الجاحظ في ديوان الرسائل أيام المأمون ثلاثة أيام ثم إنه استعفى فأعفي. وكان سهل بن هارون يقول: إن ثبت الجاحظ في هذا الديوان أفل نجم الكتاب. قال أبو عبد الله المرزباني: حدث إسحاق الموصلي وأبو العيناء قال: كنت عند أحمد بن أبي دؤاد بعد قتل ابن الزيات فجيء بالجاحظ مقيداً وكان من أصحاب ابن الزيات وفي ناحيته، فلما نظر إليه قال: والله ما علمتك إلا متنسباً للنعمة، كفوراً للصنيعة، معدداً للمساوي، وما فتني باستصلاحي لك، ولكن الأيام لا تصلح منك لفساد طويتك، ورداءة داخلتك، وسوء اختيارك، وتغالب طبعك. فقال له الجاحظ: خفض عليك، - أيدك الله -، فوالله لأن يكون لك الأمر علي خير من أن يكون لي عليك، ولأن أسيء وتحسن، أحسن عنك من أن أحسن فتسيء، وأن تعفو عني في حال قدرتك أجمل من الانتقام مني. فقال له ابن أبي دؤاد: قبحك الله، ما علمتك إلا كثير تزويق الكلام، وقد جعلت ثيابك أمام قلبك، ثم اصطفيت فيه النفاق والكفر، ما تأويل هذه الآية؟: (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة، إن أخذه أليم شديد). قال: تلاوتها تأويلها - أعز الله القاضي -. فقال: جيئوا بحداد. فقال: - أعز الله القاضي - ليفك عني أو ليزيدني؟ فقال: بل ليفك عنك. فجيء بالحداد فغمزه بعض أهل المجلس أن يعنف بساق الجاحظ، ويطيل أمره قليلاً، فلطمه الجاحظ وقال: اعمل عمل شهر في يوم، وعمل يوم في ساعة، وعمل ساعة في لحظة، فإن الضرر على ساقي، وليس بجذع ولا ساجة. فضحك ابن أبي دؤاد وأهل المجلس منه. وقال بان أبي دؤاد لمحمد بن المنصور، وكان حاضراً: صر به إلى الحمام وأمط عنه الأذى، واحمل إليه تخت ثياب وطويلة وخفاً، فلبس ذلك ثم أتاه متصدر في مجلسه، ثم أقبل عليه وقال: هات الآن حديثك يا أبا عثمان. ومن شعر الجاحظ في ابن أبي دؤاد:
وكتب الجاحظ إلى أحمد بن أبي دؤاد:
وحدث أبو العيناء عن إبراهيم بن رباح قال: أتاني جماعة من الشعراء كل واحد منهم يدعي أنه مدحني بهذه الأبيات وأجزيه عليها:
ويقال: إن الجاحظ مدح بهذه الأبيات أحمد بن أبي دؤاد وإبراهيم بن رباح،
ومحمد بن الجهم.
فكتب إليه الجماز:
ومن هجاء الجماز للجاحظ قوله:
وحدث أبو العيناء محمد بن القاسم قال: كان لي صديق فجاءني يوماً فقال: أريد الخروج إلى فلان العامل وأحببت أن يكون معي إليه وسيلة وقد سألت: من صديقه؟. فقيل لي: أبو عثمان الجاحظ وهو صديقك، وأحب أن تأخذ لي كتابه إليه بالعناية. قال: فصرت إلى الجاحظ فقلت له: جئتك مسلماً وقاضياً للحق، ولي حاجة لبعض أصدقائي وهي كذا وكذا. قال: لا تشغلنا الساعة عن المحادثة وتعرف أخبارنا، إذا كان في غد وجهت إليك بالكتاب، فلما كان من غد وجه إلي بالكتاب. فقلت لابني: وجه هذا الكتاب إلى فلان ففيه حاجته. فقال لي: إن أبا عثمان بعيد الغور، فينبغي أن نفضه وننظر ما فيه، ففعل فإذا في الكتاب: هذا الكتاب مع من لا أعرفه، وقد كلمني فيه من لا أوجب حقه، فإن قضيت حاجته لم أحمدك، وإن رددته لم أذممك. فلما قرأت الكتاب مضيت إلى الجاحظ من فوري فقال: يا أبا عبد الله، قد علمت أنك أنكرت ما في الكتاب. فقلت: أوليس موضع نكرة؟ فقال: لا، هذه علامة بيني وبين الرجل فيمن أعتني به. فقلت: لا إله إلا الله، ما رأيت أحداً بطبعك ولا ما جبلت عليه. من هذا الرجل علمت أنه لما قرأ الكتاب قال: أم الجاحظ عشرة آلاف في عشرة آلاف قحبة، وأم من يسأله حاجة. فقلت له: ما هذا؟ تشتم صديقنا، فقال: هذه علامتي فيمن أشكره، فضحك الجاحظ، وحدث الفتح بن خاقان، وحدث الفتح المتوكل: فذلك كان سبب اتصالي به وإحضاري إلى مجلسه. وحدث عبد الرحمن بن محمد الكاتب قال: كان الجاحظ يتقلد خلافة إبراهيم بن العباس الصولي على ديوان الرسائل، فلما جاء إلى الديوان جاءه أبو العيناء، فلما أراد الانصراف تقدم الجاحظ على حاجبه: إذا وصل إلى الدهليز ألا يدعه يخرج، ولا يمكنه من الرجوع إليه، فخرج أبو العيناء ففعل به ذلك، فنادى بأعلى صوته يا أبا عثمان: قد أرتنا قدرتك فأرنا عفوك. ومن كلام الجاحظ: إحذر من تأمن كأنك حذر ممن تخاف. وقال: أجمع الناس على أربع: أنه ليس في الدنيا أثقل من أعمى، ولا أبغض من أعور، ولا أخف روحاً من أحول، ولا أقود من أحدب. قال المرزباني: وروى أصحابنا أن الجاحظ صار إلى منزل بعض إخوانه فاستأذن عليه، فخرج إليه غلام عجمي فقال: من أنت؟ قال الجاحظ: فدخل الغلام إلى صاحب الدار فقال: الجاحد على الباب وسمعها الجاحظ، فقال صاحب الدار للغلام: اخرج فانظر من الرجل؟فخرج يستخبر عن اسمه فقال: أنا الحدقي. فدخل الغلام فقال: الحلقي وسمعها الجاحظ فصاح به في الباب: ردنا إلى الأول، يريد أن قوله الجاحد مكان الجاحظ أسهل عليه من الحلقي مكان الحدقي، فعرفه الرجل فأوصله واعتذر إليه. وقال الجاحظ: أربعة أشياء ممسوخة: أكل الأرز البارد، والنيك في الماء، والقبل على النقاب، والغناء من وراء ستارة. وحدث قال الجاحظ مرة بحضرة السدري: إذا كانت المرأة عاقلة ظريفة كاملة كانت قحبة، فقال له السدري: وكيف؟ قال: لأنها تأخذ الدراهم وتمتع بالناس والطيب، وتختار على عينها من تريد، والتوبة معروضة لها متى شاءت. فقال له السدري: فكيف عقل العجوز حفظها الله؟ قال: هي أحمق الناس وأقلهم عقلاً. وحدث المبرد قال: قال الجاحظ: أتيت أبا الربيع الغنوى أنا ورجل من بني هاشم فاستأذنا عليه فخرج إلينا وقال: خرج إليكم رجل كريم والله. فقلت له: من خير الخلق يا أبا الربيع؟ فقال: الناس والله. قلت ومن خير الناس؟ قال العرب والله. قلت فمن خير العرب؟ قال: مضر والله. فقلت فمن خير مضر؟ قال: قيس والله. فقلت: ومن خير قيس؟ قال أعصر والله. قلت: فمن خير أعصر؟ قال غني والله. قلت: فمن خير غني؟ قال أنا والله. قلت فأنت خير الخلق؟ قال إي والله. قلت أيسرك لو أنك تزوجت بنت يزيد بن المهلب؟ قال: والله لا أدنس كرمي بلؤمها. قلت: على أن لك الجنة، ففكر ساعة ثم قال: على ألا تلد مني وأنشد:
حذيفة بن بكر، وإنما ذكره من بين الأشراف لأنه أقربهم إليه نسباً، لأن أعصر بن أسعد بن قيس بن عيلان. وحذيفة بن بدر بن عمرو بن جوية بن لوذان بن ثعلبة بن عدي بن فزارة ابن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بنقيس بن عيلان. قال المرزباني: وحدث أبو الحسن الأنصاري، حدثني الجاحظ قال: كان رجل من أهل السواد تشيع وكان ظريفاً، فقال ابن عم له: بلغني أنك تبغض علياً عليه السلام، ووالله لو فعلت لتردن علية الحوض يوم القيامة ولا يسقيك. قال: والحوض في يده يوم القيامة؟ قال نعم. قال: وما لهذا الرجل الفاضل يقتل الناس في الدنيا بالسيف وفي الآخرة بالعطش؟ فقيل له: أتقول هذا مع تشيعك ودينك؟ قال: والله ما تركت النادرة لو قتلتني في الدنيا وأدخلتني النار في الآخرة. وقال الجاحظ ينبغي للكاتب أن يكون رقيق حواشي اللسان، عذب ينابيع البيان، إذا حاور سدد سهم الصواب إلى غرض المعنى، لا يكلم العامة بكلام الخاصة، ولا الخاصة بكلام العامة. وحدث المبرد قال: سمعت الجاحظ يقول: كل عشق يسمى حباً، وليس كل حب يسمى عشقاً، لأن العشق اسم لما فضل عن المحبة، كما أن السرف اسم لما جاوز الجود، والبخل اسم لما قصر عن الاقتصاد، والجبن اسم لما فضل عن شدة الاحتراس، والهوج اسم لما فضل عن الشجاعة.
وحدث ميمون بن هارون الكاتب عن الجاحظ قال: ذم رجل النبيذ فقال: من مثالبه
أن صاحبه يتكرهه قبل شربه، ويكلح وجهه عند شمه، ويستنقص الساقي من قدره،
ويعتبر عليه مكياله، ويمزجه بالماء الذي هو ضده ليخرجه عن معناه وحده، ثم
يكرعه على المبادرة ويعبه، ويتجرعه ولا يكاد يسيغه، ليقل مكثه في فيه،
ويسرع على اللهوات اجتيازه، ثم لا يستوفي كليته ويرى أن يجعل عاقبة الشراب
فضلة في قدحه، ويشاح الساقي في المناظرة على ما بقي منه عند رده، ليصرف عن
نفسه عادية شربه، ويذهب بساعته، ويمنع من تهوعه، كما يفعل بطبخ الغاريقون
عند شربه وحب الاسطيخمول. وكان الجاحظ يقول: إن تهيألك في الشاعر أن تبره
وترضيه وإلا فاقتله.
وأنشد المبرد للجاحظ:
وحدث أبو العيناء قال: قال الجاحظ: كان الأصمعي مانوياً، فقال له العباس بن رستم: لا والله، ولكن نذكر حين جلست إليه تسأله، فجعل يأخذ نعله بيده وهي مخصوفة بحديد ويقول: نعم قناع القدري، فعلمت أنه يعنيك فقمت. وحدث يحيى بن علي بن المنجم قال: قلت للجاحظ: مثلك في علمك ومقدارك في الادي يقول في كتاب البيان والتبيين: ويكره للجارية أن تشبه بالرجال في فصاحتها، ألا ترى إلى قول مالك بن أسماء الفزاري:
فتراه من لحن الأعراب، وإنما وصفها بالظرف والفطنة وإنما تلحن أي تورى في لفظها عن أشياء وتتنكب ما قصدت له، فقال: فطنت لذلك. قلت: فغيره. قال: فكيف لي بما سارت به الركبان؟ فهو في كتابه على خطئه. قال أبو محلم: أراد الفزاري بقوله هذا، أن خير الحديث ما أومأت إلي به، وورت عن الإفصاح به لئلا يعلمه غيرنا، ومثله قول الكلابي:
ومنه قوله تعالى: (ولتعرفنهم في لحن القول)، أي فيما يتوحونه بينهم من النفاق والطعن. قال المؤلف: وقد انتصر أبو حيان لهذا القول الذي اعترف الجاحظ بخطئه فيه فقال: وعندي أن المسألة محتملة للكلام، لأن مقابل المنطق الصائب المنطق الملحون، واللحن من الغواني والفتيات غير منكر ولا مكروه بل يستحب ذلك، لأنه بالتأنيث أشبه، وللشهوة أدعى، ومع الغزل أجرى، والإعراب جد، وليس الجد من التغزل والتعشق والتشاجي في شيء، وعلى مذهب علي بن يحيى؟ أن المنطق الصائب هو الكلام الصريح، وأن اللحن هو التعريض، وأنها تعرف هذا وهذا، فهب أن هذا المعنى مقبول، لم ينبغي أن يكون المعنى الآخر لهوجاً ومردوداً؟ وقد يجوز أن يكون مراد الشاعر ذاك، لأن الشاعر يشعر بهذا كما يشعر بهذا، قال أبو العيناء: أنشدني الجاحظ لنفسه في إبراهيم بن رباح:
قال أبو علي التنوخي: حدثني أبو الحسن أحمد بن محمد الأخباري قال: حدثني أبو الفرج الأصبهاني قال: أخبرني الحسن بن القاسم بن مهرويه قال: حدثني عبد الله بن جعفر الوكيل قال: كنت يوماً عند إبراهيم بن المدبر فرأيت بين يديه رقعة يردد النظر إليها فقلت له: ما شأن هذه الرقعة؟ كأنه استعجم عليك شيء منه؟ فقال: هذه رقعة أبي عثمان الجاحظ، وكلامه يعجبني وأنا أردده على نفسي لشدة إعجابي. فقلت: هل يجوز أن أقرأها؟ قال: نعم وألقاها إلي فإذا فيها: ما ضاء لي نهار ولا دجا ليل مذ فارقتك، إلا وجدت الشوق إليك قد حز في كبدي، والأسف عليك قد أسقط في يدي، والنزاع نحوك قد خان جلدي، فأنا بين حشاً خافقة ودمعة مهراقة، ونفس قد ذبلت بما تجاهد، وجوانح قد أبليت بما تكابد، وذكرت وأنا على فراش الارتماض ممنوع من لذة الإغماض قول بشار:
فانتظم وصف ما كنا نتعاشر عليه، ونجري في مودتنا إليه في شعره هذا، وذكرت أيضاً ما رماني به الدهر من فرقة أعزائي من إخواني الذين أنت أعزهم، ويمتحنني بمن نأى من أحبائي وخلصاني الذين أنت أحبهم وأخلصهم، ويجرعنيه من مرارة نأيهم وبعد لقائهم، وسألت الله أن يقرن آيات سروري بالقرب منك، ولين عيشي بسرعة أوبتك، وقلت أبياتاً تقصر عن صفة وجدي، وكنه ما يتضمنه قلبي، وهي:
فقلت لابن المدبر: هذه رقعة عاشق لا رقعة خادم، ورقعة غائب لا رقعة حاضر. فضحك وقال: نحن ننبسط مع أبي عثمان إلى ما هو أرق من هذا وألطف، فأما الغيبة فإننا نجتمع في كل ثلاثة أيام وتأخر ذلك لشغل عرض لي فخاطبني مخاطبة الغائب، وأقام انقطاع المدة مقام الغيبة. قال الجاحظ: كان يأتيني رجل فصيح من العجم قال: فقلت له: هذه الفصاحة وهذا البيان لو ادعيت في قبيلة من العرب لكنت لا تنازع فيها. قال: فأجابني إلى ذلك، فجعلت أحفظه نسباً حتى حفظه وهذه هذا. فقلت له: الآن لا تته علينا. فقال: سبحان الله. إن فعلت ذلك فأنا إذاً دعي. ومن كلام الجاحظ يصف البلاغة: ومتى شاكل - أبقاك الله - اللفظ معناه وكان لذلك الحال وفقاً ولذلك القدر لفقاً وخرج من سماجة الاستكراه وسلم من فساد التكلف، كان قمناً بحسن الموقع، وحقيقاً بانتفاع المستمع، وجديراً أن يمنع جانبه من تأول الطاعنين، ويحمي عرضه من اعتراض العائبين، ولا يزال القلوب به معمورة، والصدور به مأهولة، ومتى كان اللفظ أيضاً كريماً في نفسه متخيراً من جنسه، وكان سليماً من الفضول بريئاً من التعقيد حبب إلى النفوس، واتصل بالأذهان والتحم بالعقول، وهشت له الأسماع، وارتاحت له القلوب، وخف على ألسن الرواة، وشاع في الآفاق ذكره، وعظم في الناس خطره، وصار ذلك مادة للعالم الرئيس، ورياضة للمتعلم الريض ومن أعاره من معرفته نصيباً، وأفرغ عليه من محبته ذنوباً، حبب إليه المعاني وسلس له نظام اللفظ، وكان قد أغنى المستمع عن كد التكلف، وأراح قارئ الكتاب من علاج التفهم. وقرأت بخط أبي حيان التوحيدي من كتابه الذي ألفه في تقريظ الجاحظ. وحدثنا أبو سعيد السيرافي - وهمك من رجل، وناهيك - من عالم، وشرعك من صدوق - قال: حدثنا جماعة من الصابئين الكتاب: أن ثابت بن قرة قال: ما أحسد هذه الأمة العربية إلا على ثلاثة أنفس فإنه:
فقيل له: أحص لنا هؤلاء الثلاثة. قال: أولهم عمر بن الخطاب في سياسته ويقظته وحذره، وتحفظه ودينه وتقيته، وجزالته وبذالته وصرامته وشهامته، وقيامته في صغير أمره وكبيره بنفسه، مع قريحة صافية، وعقل زافر، ولسان عضب وقلب شديد، وطوية مأمونة، وعزيمة مأمومة، وصدر منشرح، وبال منفسح، وبديهة نضوح وروية لقوح، وسر طاهر، وتوفيق حاضر، ورأي مصيب، وأمر عجيب، وشأن غريب، دعم الدين وشيد بنيانه، وأحكم أساسه ورفع أركانه، وأوضح حجته وأنار برهانه، ملك في زي مسكين، ما جنح في أمر إلى ونى، ولا غض طرفه على خناً، ظهارته كالبطانة، وبطانته كالظهارة، جرح وأسا، ولان وقسا، ومنع وأعطى، واستخذى وسطا، كل ذلك في الله ولله، لقد كان من نوادر الرجال. قال: والثاني الحسن بن أبي الحسن البصري، فلقد كان من دراري النجوم علماً وتقوى وزهداً وورعاً وعفةً ورقةً وتألهاً وتنزهاً وفقهاً ومعرفةً وفصاحةً ونصاحةً، مواعظه تصل إلى القلوب، وألفاظه تلتبس بالعقول، وما أعرف له ثانياً، ولا قريباً ولا مدانياً، كان منظره وفق مخبره، وعلانيته في وزن سريرته، عاش سبعين سنة لم يقرف بمقالة شنعاء، ولم يزن بريبة ولا فحشاء، سليم الدين، نقي الأديم، محروس الحريم، يجمع مجلسه ضروب الناس وأصناف اللباس لما يوسعهم من بيانه، ويفيض عليهم بافتنانه، هذا يأخذ عنه الحديث، وهذا يلقن منه التأويل، وهذا يسمع الحلال والحرام، وهذا يتبع في كلامه العربية، وهذا يجرد له المقالة، وهذا يحكي الفتيا، وهذا يتعلم الحكم والقضاء، وهذا يسمع الموعظة، وهو جميع هذا، كالبحر العجاج تدفقاً، وكالسراج الوهاج تألقاً، ولا تنس مواقفه ومشاهده بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند الأمراء وأشباه الأمراء بالكلام الفصل، واللفظ الجزل، والصدر الرحب، والوجه الصلب، واللسان العضب، كالحجاج وفلان وفلان مع شارة الدين، وبهجة العلم ورحمة التقى، لا تثنيه لائمة في الله، ولا تذهله رائحة عن الله، يجلس تحت كرسيه قتادة صاحب التفسير، وعمرو وواصل صاحبا الكلام، وابن أبي إسحاق صاحب النحو، وفرقد السبخي صاحب الدقائق، وأشباه هؤلاء ونظراؤهم، فمن ذا مثله ومن يجري مجراه؟. والثالث أبو عثمان الجاحظ، خطيب المسلمين، وشيخ المتكلمين، ومدره المتقدمين والمتأخرين، إن تكلم حكى سحبان في البلاغة، وإن ناظر ضارع النظام في الجدال، وإن جد خرج في مسك عامر بن عبد قيس، وإن هزل زاد على مزيد حبيب القلوب ومزاج الأرواح، وشيخ الأدب ولسان العرب. كتبه رياض زاهرة، ورسائله أفنان مثمرة، ما نازعه منازع إلا رشاه آنفاً، ولا تعرض له منقوص إلا قدم له التواضع استبقاءً. الخلفاء تعرفه، والأمراء تصافيه وتنادمه، والعلماء تأخذ عنه، والخاصة تسلم له، والعامة تحبه، جمع بين اللسان والقلم، وبين الفطنة والعلم، وبين الرأي والأدب، وبين النثر والنظم، وبين الذكاء والفهم، طال عمره، وفشت حكمته، وظهرت خلته، ووطئ الرجال عقبه، وتهادوا أدبه، وافتخروا بالانتساب إليه، ونجحوا بالإقتداء به، لقد أوتي الحكمة وفصل الخطاب. هذا قول ثابت، وهو قول صابئ لا يرى للإسلام حرمة ولا للمسلمين حقاً، ولا يوجب لأحد منهم ذماماً، وقد انتقد هذا الانتقاد، ونظر هذا النظر، وحكم هذا الحكم، وأبصر الحق بعين لا غشاوة عليها من الهول، ونفس لا لطخ بها من التقليد، وعقل ما تحيل بالعصبية، ولسنا نجهل مع ذلك فضل غير هؤلاء من السلف الطاهر، والخلف الصالح، ولكنا عجبنا فضل عجب من رجل ليس منا ولا من أهل ملتنا ولغتنا، - ولعله ما خبر عمر بن الخطاب كل الخبرة، ولا استوعب كل ما للحسن من المنقبة، ولا وقف على جميع ما لأبي عثمان من البيان والحكمة - يقول هذا القول، ويتعجب هذا العجب، ويحسد أمتنا بهم هذا الحسد، ويختم كلامه بأبي عثمان، ويصفه بما يأبى الطاعن عليه أن يكون له شيء منه، ويغضب إذا ادعي ذلك له لموفز عليه، هل هذا إلا الجهل الذي يرحم المبتلى به؟. قال أبو حيان: وحدثنا ابن مقسم - وقد طال ذكر الجاحظ لأبي هفان: - قيل لأبي هفان لم لا تهجو الجاحظ وقد ندد بك وأخذ بخنقك؟ فقال: أمثلي يخدع عن عقله، والله لو وضع رسالة في أرنبة أنفي لما أمست إلا بالصين شهرة، ولو قلت فيه ألف بيت لما طن منها بيت في ألف سنة. قال أبو حيان: سمعت أبا معمر الكاتب في ديوان بادوريا قال: كتب الفتح بن خاقان إلى الجاحظ كتاباً يقول في فصل منه: إن أمير المؤمنين يجد بك، ويهش عند ذكرك، ولولا عظمتك في نفسه لعلمك ومعرفتك، لحال بينك وبين بعدك عن مجلسه، ولغصبك رأيك وتجبيرك فيما أنت مشغول به ومتوفر عليه، وقد كان ألقى إلي من هذا عنوانه، فزدتك في نفسه زيادة كف بها عن تجشيمك، فاعرف لي هذه الحال، واعتقد هذه المنة على كتاب الرد على النصارى، وافرغ منه وعجل به إلي، وكن من جدا به على نفسه، تنال مشاهرتك وقد استطلقته لما مضى، واستسلفت لك لسنة كاملة مستقبلة، وهذا مما لم تحتكم به نفسك، وقد قرأت رسالتك في بصيرة غنام، ولولا أني أزيد في مخيلتك لعرفتك ما يعتريني عند قراءتها والسلام. قال الجاحظ: قلت للحزامي: قد رضيت بقول الناس فيك: إنك بخيل. قال: لا أعد مني الله هذا الاسم. قال: لأنه لا يقال: فلان بخيل إلا وهو ذو مال، فإذا سلم المال فادعني بأي اسم شئت. قلت: ولا يقال سخي إلا وهو ذو مال، فقد جمع هذا الاسم المال والحمد، وجمع ذاك الاسم المال والذم. قال: بينهما فرق. قلت: هاته. قال: في قولهم بخيل تثبيت لإقامة المال في ملكه، واسم البخيل اسم فيه حزم وذم، واسم السخاء فيه تضييع وحمد، والمال نافع مكرم لأهله معز، والحمد ريح وسخرية، واستماعه ضعف وفسولة. وما أقل والله غناء الحمد عنه إذا جاع بطنه، وعري جسده، وشمت عدوه. قال أبو حيان: ومن عجيب الحديث في كتبه ما حدثنا به علي بن عيسى النحوي الشيخ الصالح قال: سمعت ابن الأخشاد شيخنا أبا بكر يقول: ذكر أبو عثمان في أول كتاب الحيوان أسماء كتبه ليكون ذلك كالفهرست، ومر بي في جملتها الفرق بين النبي والمتنبئ، وكتاب دلائل النبوة وقد ذكرهما هكذا على التفرقة، وأعاد ذكر الفرق في الجزء الرابع لشيء دعاه إليه، فأحببت أن أرى الكتابين ولم أقدر إلا على واحد منهما وهو كتاب دلائل النبوة، وربما لقب بالفرق خطاً، فهمني ذلك وساءني في سوء ظفري به، فلما شخصت من مصر ودخلت مكة - حرسها الله تعالى - حاجاً أقمت منادياً بعرفات ينادي - والناس حضور. من الآفاق على اختلاف بلدانهم وتنازح أوطانهم، وتباين قبائلهم وأجناسهم من المشرق إلى المغرب، ومن مهب الشمال إلى مهب الجنوب، وهو المنظر الذي لا يشابهه منظر -: رحم الله من دلنا على كتاب الفرق بين النبي والمتنبئ لأبي عثمان الجاحظ على أي وجه كان. قال: حجب الناس منىً ولم يعرفوا هذا الكتاب ولا اعترفوا به. قال ابن أخشاد: وإنما أردت بهذا أن أبلغ نفسي عذرها. قال المؤلف: وحسبك بها فضيلة لأبي عثمان أن يكون مثل ابن الأخشاد - وهو هو في معرفة علوم الحكمة، وهو رأس عظيم من رءوس المعتزلة - يستلهم بكتب الجاحظ حتى ينادي عليها بعرفات والبيت الحرام، وهذا الكتاب موجود في أيدي الناس اليوم لا يكاد تخلو خزانة منه. ولقد رأيت أنا منه نحو مائة نسخة أو أكثر.
ومن كتاب هلال قال أبو الفضل بن العميد: ثلاثة علوم الناس كلهم عيال فيها
على ثلاثة أنفس: أما الفقه فعلى أبي حنيفة، لأنه دون وخلد ما جعل من يتكلم
فيه بعده مشيراً إليه مخبراً عنه. وأما الكلام فعلى أبي الهذيل، وأما
البلاغة والفصاحة واللسن والعارضة، فعلى أبي عثمان الجاحظ. وحدث أبو القاسم
السيرافي قال: حضرنا مجلس الأستاذ الرئيس أبي الفضل فقصر رجل بالجاحظ وأزرى
عليه وحلم الأستاذ عنه. فلما خرج قلت له: سكت أيها الأستاذ عن هذا الجاهل
في قوله الذي قال مع عادتك بالرد على أمثاله. فقال: لم أجد في مقابلته أبلغ
من تركه على جهله، ولو واقفته وبينت له النظر في كتبه، صار إنساناً. يا أبا
القاسم كتب الجاحظ تعلم العقل أولاً والأدب ثانياً. وحدث يموت بن المزرع عن خاله الجاحظ قال: يجب للرجل أن يكون سخياً لا يبلغ التبذير، شجاعاً لا يبلغ الهوج، محترساً لا يبلغ الجبن، ماضياً لا يبلغ القحة، قوالاً لا يبلغ الهذر، صموتاً لا يبلغ العي، حليماً لا يبلغ الذل، منتصراً لا يبلغ الظلم، وقوراً لا يبلغ البلادة، ناقداً لا يبلغ الطيش، ثم وجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جمع ذلك في كلمة واحدة، وهي قوله: (خير الأمور أوساطها). فعلمنا أنه صلى الله عليه وسلم قد أوتي جوامع الكلم، وعلم فصل الخطاب. وقال أبو زيد البلخي: ما أحسن ما قال الجاحظ: عقل المنشئ مشغول، وعقل المتصفح فارغ. وقال المرزباني بإسناده عن المبرد: سمعت الجاحظ يقول لرجل آذاه: أنت والله أحوج إلى هوان من كريم إلى إكرام، ومن علم إلى عمل، ومن قدرة إلى عفو، ومن نعمة إلى شكر. وقال الجاحظ في أبي الفرج نجاح بن سلمة يسأله إطلاق رزقه من قصيدة:
وحدث يموت بن المزرع قال: وجه المتوكل في السنة التي قتل فيها أن يحمل إليه الجاحظ من البصرة فقال لمن أراد حمله: وما يصنع أمير المؤمنين بامرئ ليس بطائل، ذي شق مائل، ولعاب سائل، وفرج بائل، وعقل حائل؟ وحدث المبرد قال: دخلت على الجاحظ في آخر أيامه فقلت له: كيف أنت؟ فقال: كيف يكون من نصفه مفلوج لو حز بالمناشير ما شعر به، ونصفه الآخر منقرس لو طار الذباب بقربه لآلمه، وأِد من ذلك ست وتسعون سنة أنا فيها، ثم أنشدنا:
وقال لمتطبب يشكو إليه علته: اصطلحت الأضداد على جسدي، إن أكلت بارداً أخذ برجلي، وإن أكلت حاراً أخذ برأسي. وحدث أحمد بن يزيد بن محمد المهلبي عن أبيه قال:قال لي المعتز بالله: يا يزيد، ورد الخبر بموت الجاحظ، فقلت: لأمير المؤمنين طول البقاء ودوام النعماء. قال: وذلك في سنة خمسين ومائتين، وفيه يقول أبو شراعة القيسي:
المراجع: معجم الأدباء لياقوت الحموي |