|
محمد بن أكنسـوس وفي فاس، كان الشّاب ينتقل بين حلقات الدّرس ويَؤُمُّ مجالس أكابر العلماء. فكان يجمع بين علوم الشّرع واللّسان والتاريخ، مما كوّن له ذخيرةً كبيرةً لمستقبل الأيّام. وفي القروييّن، تعرّف بمحمد بن إدريس الذي وزر للسلاطين فيما بعد. كان محمد بن أكنسوس بارعاً في نثره ونظمه، رقيق الحاشية، سلس الأسلوب، دقيقًا في اختيار الألفاظ وبناء الجُمَل، وحتّى عندما كان يكتب في موضوعٍ جافٍ كان أسلوبه لطيفًا. فقد وجّه إليه حاجب السلطان كتابًا فيه بحث عن المعادن، وطلب إليه رأيه فيه. وبعد أن قرأ الكتاب، بعث إلى الحاجب برسالةٍ أبدى فيها رأيه في أمرين: أوّلهما أنّ الكتاب المذكور ذخر من الذخائر والنّفائس الملوكية التي ينبغي أن لا تخلو منها الخزائن السّلطانية. وأما الأمر الثاّني الذي تناولته الرسالة فهو نقد علميّ للكتاب. على أنّ العمل الذي خلّ اسم محمد بن أكنسوس، أكثر من أيّ شيءٍ آخر وضعه أو صنعه، فهو كتاب "الجيش العرمرم الخماسي". وضع المؤلّف هذا الكتاب وهو في السّبعين مِن سِنّه. وهذا الكتاب هو تاريخ للدولة العلوية المغربية. إلاّ أنّ المؤلف رتبه على طريقةٍ غريبةٍ ونَسَقٍ عجيبٍ، فجعله على نظام الخميس، أيّ الجيش المُركّب في خمسة أقسام: مقدّمة وساقة وجناحان وشروطها وواجباتها. والكتاب في بحثه وغريب تنسيقه وعجيب تنظيمه يحوي من المعلومات الكثير. فقد جمع في تاريخه بين مسائل السياسة والتاريخ والفقه، وذَكَر دول المشرق وإفريقيا والأندلس ودول المغرب السّابقة إلى جانب الدّولة العتيدة التي ألّف كتابه فيها. فأتى في ذلك بعملٍ فريدٍ، ودلّ على تمكّنه ورسوخه وحُسن تصرّفه ولباقته، حيث شحن جميع هذه المباحث وضَمَّن كل هذه المقاصد في كتابٍ صغير الحجم، لا يحتوي بجزأيه الإثنين على أكثر من 420 صفحة؛ هذا مع التّوسع الكثير في أخبار الدولة الشّريفة العَلويّة، وذِكْر ملوكها إلى عهده مَلكاً مَلكًا، وما وَقَع في أيّامهم من حوادث وما خلّفوه من آثار. |