|
الأيوبيّون ذهب صلاح الدين الأيوبي عام 568هـ لفتح بلدة الكرك في الأردن واستناب أباه مكانه على مصر، فتوفّي أثناء غيابه. وفي العام نفسه أرسل صلاح الدّين أخاه الأكبر شمس الدولة توران شاه إلى بلاد النوبة ففتحها واستولى على معقلها، كما أرسل عام 569 هـ فرقةً إلى اليمن بإمرة أخيه شمس الدولة توران شاه فاستطاع أن يملكها وأن ينهي حكم آل مهدي في زبيد وآل حاتم في صنعاء وآل زريع في عدن، وبقي في اليمن حتى عام 570هـ. فاستخلف عليها وعاد إلى بلاد الشّام. أما صلاح الدين فقد كان في مصر عند وفاة نور الدّين محمود. ولما عزم السفر إلى الشام وصل أسطولٌ للصّليبيين من صقلية ونزل بالإسكندرية فتصدّى له أهلها وانتصروا على مَن فيه وذلك عام 570هـ، كما أخمد ثورة أحد أنصار العبيديين، ومدَّ نفوذه نحو الغرب إذ أرسل سريةً عام 568هـ إلى إفريقية فاستطاعت أن تأخذ مدينة طرابلس الغرب. وسار صلاح الدين إلى دمشق فدخلها وهادَن الصليبيين عام 571هـ. ثم ملك حلب، غير أنه استبقاها للملك العادل إسماعيل بن نور الدين محمود الذي اعترف له بسلطانه عليه، وأخذ يستعدّ لقتال الصليبيين. توفّي الملك العادل إسماعيل بن نور الدين محمود عام 577هـ فبسط صلاح الدين نفوذه على حلب والموصل. وبذلك أصبحت المناطق التي تحت سُلطان صلاح الدين متّصلةً وعلى امتداد أملاك الصليبيين. ولما بلغه خبر إغارة «رينولد» صاحب حصن الكرك على سواحل بلاد الحجاز وقطعه طريق الحج، وأخذه بعض قوافل المسلمين الحجاج، هاجم صلاح الدين المناطق الصّليبية وهزمهم هزيمةً منكرةً في معركة حطّين 25 ربيع الثاني 583 هـ، ثم استولى على طبريا وتابع طريقه إلى عكا ونابلس والرملة وقيسارية ويافا وبيروت وما حولها وعسقلان. وهكذا أصبحت المناطق الصّليبية قسمين، إحداها في انطاكية في الشمال، والثانية في الجنوب في بيت المقدس الذي أصبح معزولاً يحيط به صلاح الدين من كل صوبٍ وأخذ يستعدّ للهجوم عليه. فسار باتجاه القدس بجيشٍ عظيمٍ، فرأى الصّليبيون أنفسهم عاجزين عن المُقارعة، لذا طلبوا الصلح على أن يسلموا بيت المقدس ويخرجوا منه بأموالهم وأولادهم مقابل فديةٍ معيّنةٍ يدفعها كلّ واحدٍ منهم. فضمن لهم صلاح الدين الأيوبي الرحيل إلى صور أو إلى طرابلس، ودخل المسلمون القدس في 27 رجب 583هـ. ثم جاءت الحملة الصليبية الثالثة عام 585هـ وأحرز ريتشارد قلب الأسد ملك انكلترا انتصارًا على جيش صلاح الدين في أرسوف وتابع زحفه نحو عسقلان، فوجد نفسه أمام قوّةٍ كبيرةٍ فبدأ في إجراء مفاوضات حتى تمّ صلح الرملة عام 588هـ الذي ينصّ على وقف الحرب لمدّة ثلاث سنوات بين الطرفين وأن تبقى القدس بيد المُسلمين ويُسمَح للنّصارى بزيارة الأماكن المُقدّسة فيها. وأن تكون سواحل بلاد الشام من صور إلى يافا تحت الحماية الصليبية. وفي عام 589هـ توفّي صلاح الدين في دمشق ودُفِنَ فيها وخلفه ابنه عثمان العزيز عماد الدين الذي حكم ست سنواتٍ حتى توفّي عام 595هـ وخلفه ابنه المنصور محمد. ولم يبق في الحكم سوى سنةً وعدّة أيام حتّى خُلِعَ عام 597هـ وتسلّم السلطة عم أبيه أخو صلاح الدين الأيوبي وهو الملك العادل سيف الدين الذي بقيَ في الحكم حتى عام 605هـ. وفي أيّامه استولى الصليبيون الجرمان بإمرة جان دي ميريين على دمياط. وتوفّي العادل في ذلك العام وقد أوصى لإبنه محمّد الكامل بإخراج الصليبيين منها. فعمل الكامل بنصيحة أبيه فجاءته النّجدات من الشام وسار إلى الصليبيين والتقى بهم عند مدينة المنصورة فأغرق سفنهم في نهر النيل وألحق بهم هزيمةً منكرةً واضّطروا لطلب الصلح وذلك عام 608هـ وانسحبوا من مصر بعد أن بقوا في دُمياط ثلاث سنوات وأربعة أشهر. ثم اختلف محمد الكامل مع أخيه، والي دمشق الملك المعظم، فاستغلّ هذا الخلاف امبراطور المانيا فريدريك الثاني وَشَنّ حملةً صليبيةً إلى فلسطين وأجبر الملك الكامل أن يعقد صلحًا معه فتنازل بموجبه عن بيت المقدس شرط أن يبقى مسجد عمر وما جاوره بِيَد المُسلمين، وأن يطلق الأسرى الصليبيين بالكامل وذلك عام 626 هـ. وتوفي الكامل عام 635هـ. وكان قد أرسل ابنه المسعود إلى مكة فدخلها عام 620هـ وامتدّ نفوذه من الجزيرة العراقية إلى الحجاز ومصر وتوفّي بدمشق. وخلفه ابنه محمد العادل ونافسه أخوه الأكبر نجم الدين أيوب أبو الفتوح ودخل إلى مصر وقبض على العادل وسجنه عام 637هـ وتولّى هو السلطنة. وفي عهده شنّ ملك فرنسا لويس التاسع هجومًا على دمياط واستولى عليها، وتقدّم نحو المنصورة وانتصر في بداية الأمر ثم ردّه المماليك بقيادة الظاهر بيبرس. وفي هذه الأثناء توفّي الملك الصالح فكتمت زوجته شجرة الدر نبأ وفاته عام 647هـ وبقيت هي بنفسها تدير الأمر باسمه وأرسلت إلى ابنه توران شاه تستقدمه. وعندما وصل إلى القدس انتقلت إلى القاهرة. ولم يذهب توران شاه إلى القاهرة بل توجه مباشرةً إلى دمياط وحارب الصّليبيين واستردّ دمياط. وكانت وفاته عام 648 هـ ومدةّ سلطنته أربعون يومًا وبموته انتهى أمر الأيّوبييّن. تابعت شجرة الدر حكم الدولة وكانت توقّع بإسم «ملكة المُسلمين» أو «المُستعصمية الصّالحية». ولم يستقرّ أمرها سوى ثمانين يومًا، إذ خرجت الشام عن طاعتها. فجعلت عز الدين أيبك وزيرًا لها وكان وزير زوجها، ثم تزوجّته وتنازلت عن السلطنة وتلقّب عز الدّين أيبك بالملك المعز. وعندما أراد أن يتزوّج عليها قتله مماليكها. وعلم ابنه علي فعمِلَ على قتلها عام 655هـ. |
|
|